Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
31 juillet 2010 6 31 /07 /juillet /2010 12:35

.

ستعرض هذه المساهمة خلاصة مركزة لأهم ما جاء في الأطروحة الجامعية المتمحورة حول موضوع "الحركات السلفية في المغرب (1971م - 2004م)، ونال بها الباحث درجة الدكتوراة في القانون العام، تخصص علم السياسة، في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

التعريف والمنهجية والإشكاليات

حتى بعد انقضاء وقت طويل من بداية الاشتغال حول هذا الموضوع، لم نفلح في العثور على تعريف مناسب للمفهوم المركزي في هذا البحث، وهو السلفية، لكن بتقدم البحث الميداني في أوجه نشاط الحركات السلفية العاملة في المغرب خلصنا إلى صياغة مقصودنا من هذا التعبير، إذ يدل مفهوم السلفية على نزعة احتجاجية على التطويرات التي طرأت على المستويات الثلاثة للدين؛ المستوى العقائدي والفكري والتعبدي. فمن الناحية العقائدية تهتم النزعة السلفية بعملية إعادة تقنين الدين، هادفة إلى الترشيد الميتافيزيقي والأخلاقي للعقائد كما هي معاشة بالفعل.

ومن الناحية الفكرية تقتصر السلفية على استخدام القاموس الإسلامي الأصلي، وتتخذ من قيم الإسلام - حسب المعنى الذي يحدده هذا القاموس - المعيار الوحيد في النظر والحكم، ومن النص الأصلي مرجعه النهائي في التدليل والإثبات، دون أن تستوحي عناصر فكرية مستقلة من خارج الأصولية الإسلامية للاستعانة في تبريراتها الفكرية ودفاعها العقائدي.

وعلى المستوى التعبدي تهتم النزعة السلفية بعملية إعادة تقنين الشعائر الدينية، بتوحيد نماذجها، وكلماتها، وإشاراتها، وإجراءاتها، لكي يحافظ على النشاط الشعائري الأصلي في مواجهة البدع المستجدة.

أما من الناحية السوسيولوجية (الاجتماعية) فتتمظهر هذه النزعة الدينية وتتجلى في حركات ذات طابع طائفي، وهي - كما يعرفها علم الاجتماع - حركات تحاول ضمان الاستقلالية تجاه العلاقات الاجتماعية السائدة. إنها حركات اجتماعية تتبنى تدينا طائفيا راديكاليا ترفض بموجبه المؤسسات الاجتماعية والسياسية، وتنزع إلى الحفاظ على أقصى حد من الحرية تجاه ما درج عليه المجتمع الرسمي من عادات وسلوكيات دينية، مستوحيا طقوسه الخاصة من مذهبية دينية أخرى، أو من تأويل مختلف للديانة الرسمية.

ومن حيث أهمية هذا البحث، يمكن اعتبار موضوع الحركات السلفية أحد مواضيع الساعة، فقد أثارت أحداث 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية انتباه العالم إلى هذه الحركات، واعتبرت العديد من الأوساط أن المذهبية التي تعتنقها هذه التنظيمات مسئولة أدبيا عن ما جرى؛ لأنها وفرت المرجعيات النظرية التي تشبع بها مرتكبو تلك الأحداث. لذلك أصبحت الظاهرة مثار اهتمام كبير، وموضوعا ترسم في ضوئه الإستراتيجيات الدولية، وتوضع السياسات العامة الوطنية خصوصا بعد تكرار تلك الأحداث في أكثر من دولة، بما فيها الدول العربية والإسلامية، كالمغرب الذي ازداد فيه الجدل بشأن الحركات السلفية مباشرة بعد أحداث 16 مايو 2003 بالدار البيضاء.

وبقدر ما استأثرت الظاهرة بالاهتمام الدولي والوطني؛ أنتجت طلبا اجتماعيا كبيرا لفهم هذه الظاهرة ومسبباتها؛ ما يجعل أهمية البحث تنبع من كونه يطمح إلى أن يكون جسرا للتبادل بين البحث الأكاديمي والطلب الاجتماعي الذي قد لا تسعفه المقاربات الأخرى في الوصول إلى فهم واقعي وهادئ لظاهرة الحركات السلفية، خصوصا وأن مساهمات الصحفيين وركوب السياسيين للموضوع أضفت على الموضوع إشهارا قويا.

كما أنه من خلال الاهتمام بظاهرة هذه الحركات السلفية، سعينا إلى إثراء البحث حول الإسلام المغربي وفهمه من خلال فهم بعض مظاهر التدين السائدة في تخوم هذا المجتمع، هذا التدين الذي يعبر عن نفسه ومناسباته وطقوسه بطرق متنوعة ومتعددة؛ إذ يندرج هذا البحث في إطار المساهمة في تعميق المعرفة الميدانية بمختلف تمظهرات الحياة الدينية للمغاربة، خطابات كانت أو ممارسات، ويرجو تحقيق القرب من الواقع الاجتماعي وأنواع التعبير الديني التي تتلبس به. فإذا كان المضمون الديني بالمغرب يبث بأشكال متعددة ومتنوعة، فإن من المهم بمكان القيام بمحاولات تروم القرب من مختلف التعبيرات الدينية في علاقتها بالتغيرات التي يعرفها المجتمع.

أما عن إشكالية البحث فلم يتم صياغتها إلا بعد مراحل متعددة، ابتدأت بالاهتداء بالخلاصات المستنتجة من التراث النظري المتحصل؛ دراسة الطوائف الدينية من جهة، وبالاستئناس بالأبحاث التي اهتمت بالتجربة الدينية بالمغرب على قلتها من جهة ثانية، ثم بعد المعالجة الذاتية للمادة التي توفرت بفضل البحث الميداني من جهة ثالثة. فبغية الابتعاد عن السجال الدرامي الذي احتل الساحة الإعلامية والسياسية حول هذا الموضوع، قمنا بتأطير البحث في خانة محددة، تعاد فيها صياغة الأسئلة بطريقة تغدو معها الحركات السلفية - موضوع الدراسة - مؤشرا على التحولات التي يعرفها واقع التدين في المغرب.

ذلك أن الممارسات الدينية في المغرب تظهر تعددا سوسيولوجيا يتعلق بأشكال التدين الموجودة في المجتمع، فهناك أنماط تدين وتعبد متنوعة غير قابلة لأن تحصر في قالب مذهبي محدد، ولكن وسط هذا الواقع المتحول وجدت حركية أدت إلى إضعاف أنماط التدين التقليدية وبروز أخرى أنتجت تصورات دينية ورموزا غير مرتبطة بالبيئة المحلية ضرورة، لكنها مسايرة للواقع الاجتماعي المغربي من حيث اتجاه حركة التدين إلى حياة دينية مؤسسة على الفردية وتحقيق الذات. فإلى أي حد تترجم الحركات السلفية التي كانت محل الدراسة هذه الحركية التي يعرفها حقل التدين في المغرب؟

أما عن فرضية البحث فتمت صياغتها كالتالي: لا يعد بروز السلفية سواء كمعتقدات أو كحركات، بأي حال من الأحوال، مؤشرا على أي انشطار عقدي أو مذهبي بالمغرب على نحو ما تصوره السجالية المجتمعية، بقدر ما هي تعبير عن بعض مظاهر التحول السوسيولوجي الذي تشهده أنماط التدين في المغرب، فقد غدت النماذج الكلاسيكية للتدين في المجتمع المغربي ضعيفة ولم تعد تمارس دورا معياريا؛ الأمر الذي عنى بالنسبة لنا أن تلك النماذج هي في الطريق إلى أن تغدو كلامية ومتحجرة وتتجه شيئا فشيئا إلى فقدان تأثيرها، ومن ثم تشكل السلفية محاولة لسد هذا الفراغ، ووسيلة لكي يسترجع الدين دوره المعياري. إذ بواسطة هذه المذهبية وعبر خطابها وأنماط فعلها وتنظيمها يجد الدين فرصة للمقاومة والتحول والاستيلاء على مواقع ومجالات جديدة بما فيها مواقع التدين التقليدية.

ولقد اختارت هذه الدراسة تناول موضوع الحركات السلفية بالمغرب من منظور سوسيولوجي، مستهدفة قراءة هذه الحركات كظاهرة اجتماعية وثقافية ونفسية، ثم قياس حجمها الحقيقي ومدى حضورها وسط الشرائح الاجتماعية، وقدراتها على الاستقطاب والتعبئة المذهبية، إذ لا ينبغي للباحث أن يعتبر الاهتمام الذي حظيت به من قبل السياسات الدولية والوطنية مؤشرا كافيا على أهمية الظاهرة؛ لأن ذلك لا ينهض معيارا على كونها ذات شأن من حيث المعطيات السوسيولوجية بالضرورة، بل لا مناص له من النزول إلى الحالات الميدانية، وتتبع أساليب البحث الجزئية الصعبة حتى يتمكن من قياس تلك الأهمية.

ولا بد من الإشارة في هذا التقديم، إلى حجم المشاكل التي اعترضت البحث الميداني، والتي حتمت التضحية ببعض الخطوات المنهجية المعتادة في البحث السوسيولوجي التي لم تعد تجدي في حالتنا هذه؛ ما حتم إجراء تغييرات راديكالية في معظم محطات هذا البحث. ويمكن اختصار هذه المشاكل بنقطتين أساسيتين:

الأولى: لزوم التكيف مع المناخ الطائفي الذي تعمل فيه هذه الحركات خصوصا وذلك على المستويين التعبيري والمظهري، حتى لا تمثل شخصية الباحث أية عرقلة أمام بحثه، بما يقتضيه ذلك من إظهار قدر من مشاركة المستجوبين في رؤيتهم للعالم، وهي مهمة يصعب التكيف معها من الناحية النفسية كما تسبب معاناة من الناحية الوجدانية.

والثانية: انغلاق ميدان البحث مباشرة بعد أحداث 16 مايو 2003 الإرهابية بالدار البيضاء، حيث أصبحنا محل شك العديد من الأطراف التي سبق إقناعها بفكرة البحث والتعاون معنا، فرغم إلحاحنا المتكرر على إعادة التأكيد على شرعية صفتنا البحثية بعد 16 مايو، فإن الظرف كان أقوى من أية حجة يمكن تقديمها أو المفاوضة بها لحل هذا الأشكال.

وقد دفعتنا هذه المشاكل إلى تبني إستراتيجية بحثية تترك جانبا الخطوات المنهجية المعتادة في البحث السوسيولوجي وتتبع أساليب غير مباشرة ومنها:

إخفاء الهوية البحثية والدخول في التنظيمات السلفية على هيئة التابع؛ وتغيير دار القرآن التي كنا نتردد عليها مرارا؛ ما كان يمكن من متابعة البحث الميداني في دور أخرى مع الانتقال الدوري بينها مخافة جلب الانتباه؛ والبحث عن وسطاء من الشخصيات والتنظيمات المقصودة بالبحث وتقصي المعلومات من خلالهم.

بنية الدراسة

ومن حيث هندسة البحث، فقد تم تقسيمه إلى قسمين أساسين، تمت العناية في أولهما بالسلفية باعتبارها أيديولوجيا دينية، وهو ما يعني أننا لم نعالج السلفية باعتبارها مجرد وثوقيات تنشد الترشيد العقائدي والتعبدي، ولكن باعتبارها منظومة تقوم بتأطير ذلك المجموع المتناسق من الصور والأفكار المصاغة في مفاهيم ومعايير ينطلق منها المشروع السلفي لصياغة رؤاه للعالم.

وانطلاقا من هذا الاعتبار كان سعينا في هذا القسم متمثلا في ثلاث مهمات رئيسة هي:

1- تفكيك وإعادة تركيب المعتقدات الدينية التي تقبع خلف ما سميناه الأيديولوجية السلفية.

2- تفكيك الجهاز الأيديولوجي للخطاب السلفي، وبسط ما يحتويه من رموز ومعان.

3- اكتشاف نوع البراديم Paradigm - النموذج المعرفي- الذي يشكل الناظم الداخلي للعقيدة السلفية، وذلك من أجل الوقوف على الشكليات التي يتم من خلالها إنتاج قضايا هذه العقيدة، ومحاكمة الأفكار السائدة من حولها، والتصريح بصوابها من عدمه.

وقد أثرنا بعض الأسئلة التي أخضعناها للتحليل ضمن هذا القسم ومن أهمها:

كيف ترتسم فكرة الله في الذهن السلفي؟ وما هو البراديم الذي ينتجه الاعتقاد بهذه الفكرة ويصدر عنه الذهن السلفي عندما ينتج المقولات الأخرى المرتبطة بهذه العقيدة؟

إذا كانت المقولات المركزية للأيديولوجية السلفية متمحورة حول هذا التوحيد باعتباره أهم مكونات التدين، فما هي المعاني الظاهرة والرمزية لفكرة التوحيد عند السلفية؟ وإلى أي حد ساهمت هذه الفكرة في بناء باقي الأفكار السائدة داخل هذا النسق الاعتقادي؟

إذا علمنا أن فكرة التوحيد هي الفكرة الأساس عند كل التشكلات الأيديولوجية الإسلامية؛ فبماذا تتميز فكرة التوحيد كما يتبناها السلفيون؟ هل ينتج الانطلاق منها تعددا في أسلوب الاعتقاد بالفكرة أم أن هناك تمثلا واحدا لهذه العقيدة؟

وقد خلصنا من خلال معالجة هذه الإشكالات إلى استنتاج عام مفاده أن ما يجعل من الأيديولوجية السلفية محل جاذبية كبيرة هي أنها تعمل على إعادة صياغة معتقدات الإسلام في شاكلة أكثر تبسيطا، فهي مذهب ديني موجه لا إلى النخبة المتمكنة من وسائل التنظير والحِجاج، وإنما إلى أناس في حاجة إلى فهم لما يعتقدون، في حاجة إلى عقيدة بسيطة بإمكانهم إدراكها حسب إمكاناتهم الذاتية والتحدث عنها مع الآخرين من أمثالهم، دون أن يتيهوا في الكثير من المتاهات الأيديولوجية.

من هذه الوجهة يمكن القول إنه من خلال مسألة التوحيد فإن السلفية تستبطن إعادة تشريع العلاقة بالأشياء المقدسة من خلال ربط المؤمنين بمفاهيم بسيطة، ما دام أن الاعتقاد بالتوحيد عندها لا يتطلب سوى الاعتقاد بالله كما وصف به سبحانه نفسه في الكتاب والسنة من دون تأويل، كما أنه من خلال هذه المقولة، يصبح الإيمان عند السلفية وحدة كمية قابلة للقياس، بحيث يمكن في كل وقت وحين اختبار سلوكيات المؤمن وممارساته التعبدية.

السمات العامة للخطاب السلفي

في سياق تفكيك الجهاز الأيديولوجي السلفي تم رصد ومعالجة السمة العامة للخطاب السلفي وهي التصلب المذهبي، والذي أرجعناه إلى مبدأين تتسم بهما الأيديولوجية السلفية، وهما: رفض الشرك والإصرار على التوحيد الذي يجب أن يخضع له كل سلوك بشري؛ وكذا الرؤية الصارمة جدا والملتزمة بحرفية القرآن وفق التقليد الحنبلي، والذي يجعل كل شيء يعود إلى منطوق القرآن والسنة.

وتكتسب السلفية تصلبها من كونها محاولة نشطة لتكوين أصولية واحدة لكافة السكان، ونوعا من الإصرار على تأسيس مذهب فقهي متجانس مع العقيدة، وثورة على التقاليد الدينية الكلاسيكية واعتماد الإسلام النصوصي الذي يحيل على القرآن والسنة كمناط كل تفكير وسلوك.

ومن خلال هذا التصلب، بدت لنا الأيديولوجية السلفية كبنية عنف نائمة، يشترك في النطق بها جميع التيارات السلفية، فلا يكاد التمييز بين هذه التيارات يظهر عند مقارنة بعضها ببعض على مستوى بنية الخطاب، اللهم إلا على مستوى ما يفتح عليه هذا الخطاب من سلوكيات، وبالأخص فيما يتعلق بالشرط الموضوعي المتمثل في الموقف من السلطة السياسية تحديدا، ويكاد هذا الشرط يشكل المفصل المميز بين بقاء الخطاب عند حدود العنف الرمزي، أو تلك التي تجاوز ذلك نحو تبني العنف المادي.

وفي فصل آخر وقع الاهتمام بالمصادر المؤسسة للأيديولوجية السلفية، وكان الغرض هو الوقوف على كيفية مساهمة المصادر في بناء هذه النزعة الدينية، واكتشاف أثر الظروف التاريخية والثقافية التي أحاطت بهذه المصادر في تشكيلها لهذه الأيديولوجية.

وقد أمدنا تتبع تحليل سير ومسارات الآباء المؤسسين للأيديولوجية السلفية بإمكانية تصنيف الحركات السلفية العاملة اليوم بحسب نوع التأثير الذي مارسه هؤلاء عليها والطرق التي تلقت بها أفكارها، فمن هذه الحركات من تأثر بالجانب العملي في فكر هؤلاء؛ ما يعني مقارعة المذاهب المخالفة، ومنها من تأثر بالجانب العملي والبحثي، ومنها - أخيرا - من تأثر بالجانب الجهادي ضد ما يعتبر في متن السلفية "أعداء الإسلام" في الداخل والخارج.

كما اهتم البحث في إطار تحليله لأيديولوجيا الحركات السلفية باكتشاف البراديم الذي يخترق الخطاب السلفي، وقد قصدنا بالبراديم هنا: ذلك الطابع الذي تصدر به الأيديولوجية السلفية، إنه الأنموذج الذي يساعد الخطاب على حل جميع المعضلات المعرفية التي تعترضه، والذي يتحول لعقل مركزي حاكم على مجموع الإنتاج الفكري السلفي على جميع المستويات، وقد أمكن وصف النظام التي تصدر عنه السلفية بوصفين جامعين: النصوصية والشكلانية.

وفي إطار إخضاع الأيديولوجية السلفية للتحليل الأنثروبولوجي، أولى البحث اهتماما كبيرا بالطقوس التي يتعبد بها السلفيون، فمن خلال الاطلاع على الوثائق المذهبية للحركات السلفية محل الدراسة وملاحظة ممارستها الطقوسية التي تقام داخل مقراتها، تبين لنا أن من الأهداف التربوية الكبرى لدى هذه الحركات النجاح في أن يعكس أداء الأتباع السلوك النموذجي المرغوب فيه والتعبير عنه بواسطة سلوكيات قابلة للملاحظة؛ فالسلفي الحقيقي عند هذه الحركات هو ذلك الشخص الذي يحرص على ظاهر الأشياء، ولا يقبل أن ينسب إلى التدين شيء مخالف لما هو نمطي ومحدد بقواعد.

إن اهتمام الأيديولوجية السلفية بالعبادات والطقوس التي يجب أن يقوم بها التابع يجعل منها مشروعا ذا إستراتيجية شاملة ترمي إلى إصلاح جميع أوجه الحياة الدينية، اعتقادات كانت أو سلوكيات، تحمل السلفية إذن تصورا سلوكيا للحياة الدينية يتوجب أن تتحول التعاليم السلفية إلى سلوكيات ملموسة، وليس إلى مجرد تعلق عاطفي بالدين لا أثر له في السلوك.

وإزاء الواقع العبادي الموجود التي تعتبره السلفية بدعيا، تعبر السلفية عن حركة رفض للتجليات الثقافية والسوسيولوجية للإسلام المحلي لصالح الانتصار للإسلام المجرد؛ فبصفة ضمنية يقول السلفيون بأن الإسلام فقد على الأرض نقاءه وصفاءه الأصليين، ليصبح مرتعا لأنواع من القداسة المحلية التي تستمد مشروعيتها من مجرد التأثر بظروف الزمان والمكان وليس من المقتضيات الأصلية للإسلام.

وبغض النظر عن التبرير الديني الذي يستند إليه هذا الهجوم على الطقوس البدعية، فإن له آثارا سوسيولوجية وهي التقليص من قدر العبادات إلى حدودها الدنيا التي تتطلبها التعاليم الدينية. ومن ذلك يمكن اعتبار السلفية نزعة عبادية تقشفية وحركة احتجاج على التطويرات المحدثة قي مجال العبادة.

طرق تلقين الأيديولوجية السلفية

كان الفصل الأخير من القسم الأول فرصة لدراسة طرق تلقين الأيديولوجية السلفية كما تم تفصيلها في الفصول السابقة، ويختزل الخطاب السلفي مضمون هذا التلقين وطرقه في مصطلح الدعوة، وهو في العمق عمل نضالي وسيلته الأساسية الوعظ الديني البعيد كل البعد عن الإعداد والتأهيل السياسيين، وهو عمل دائم ومستمر. كما كنا نقوم في كل لحظة من لحظات هذا الفصل بمقارنة عملية التلقين الديني السلفي مع التلقين الديني الذي يتم في المدارس والمعاهد التقليدية في المغرب حتى نقف عند أوجه اختلاف الواقع في تلقين المعرفة الدينية في المغرب.

وعلاوة على الدروس الدينية المعطاة عبر مختلف دور القرآن والمعاهد التابعة للتنظيمات السلفية، يتم التلقين عبر آلية سيكولوجية هي التماهي، فعند الطوائف السلفية يعد التماهي أحد الآليات التي تؤدي إلى بناء الهوية الطائفية كونها محصلة نهائية لمسلسل طويل من عملية التلقين المستمرة، إذ بواسطة التماهي يتعلم التابع الكثير من الأنماط السلوكية المطلوبة وذلك عبر مشاهدتها عند غيره وتسجيلها في شكل إدراكات حسية أو استجابات رمزية، يستخدمها في تقليد السلوك الذي يلاحظه، أو في الحصول على المعلومات التي تمكنه من استخدام ذلك السلوك في مواقف أخرى، ويتحقق هذا التماهي من خلال الأداء الجماعي والموحد للطقوس الدينية، واستعمال المقابلات الرمزية التي تعوض الأسماء الحقيقية للأتباع، والتمظهر بسمت واحد، ما يمكن معه اعتبار السلفية ذات نزعة تدينية استعراضية وممارسة عيانية العقيدة.

وفي المقابل وقفنا على حالات لفاعلين لم تنتج معهم آلية التماهي آثارها السابقة خصوصا لدى الأشخاص الذين نجحوا في تطوير إمكاناتهم الإدراكية، بحيث أصبح تكوينهم ومستوى معارفهم يقف حائلا دون إتمام عملية التماهي، بحيث تبرز عندهم بعض التحفظات حول سلوكيات الجماعة وأساليب عمل زعمائها، وبالتالي على توجهات المجموعة ككل، ما تسبب للتنظيمات السلفية في انشقاقات فردية وجماعية في صفوف تنتهي إلى تكوين تنظيمات أخرى.

تيارات الحركة السلفية

وفي نهاية هذا القسم انتهينا إلى خلاصتين عامتين وتصنيف إجمالي نوجز من خلالهما كل ما طرح بشكل تركيبي. وهكذا فبعد معالجة الأيديولوجية السلفية واكتشاف معانيها الصريحة والرمزية خلصنا إلى نتائج محورية، وهي:

يصدر الخطاب السلفي عن أيديولوجية واضحة تتلخص في عقيدة التوحيد، والتي تضع - كهدف نهائي - تجريد الأشخاص والأشياء والأفكار من صفة القدسية، وإعادة توظيف العاطفة الدينية في أشكال محددة بدقة يعتبرها السلفيون ترجمة صحيحة للتعاليم الإسلامية الأصلية.

يؤدي وضوح هذا الهدف الأيديولوجي إلى تماثل كبير بين الأفكار السلفية أيا كان القائلون بها، بحيث نجد لديهم مقاومة كبرى للتغير الذي يمكن أن يطال هذا السقف الأيديولوجي، وبذلك لا يمكن التمييز بين الخطابات السلفية، من حيث مرونتها وتشددها، إلا من خلال تفاصيل صغيرة جدا.

وعلى هذا الأساس يمكن التمييز بين تيارين مهمين يتجاذبان الدعوة السلفية المعاصرة وهما:

أ- التيار المحافظ:

وهو التيار الذي يعتبر أن أساس الدعوة هو معرفة الله بذاته وأسمائه وصفاته من خلال ما وصف به نفسه وما وصفه به رسله من غير تأويل، ونفي كل ما يمس بذلك على مستوى التصور الديني والممارسة الطقوسية، ما يجعل بث هذا الاعتقاد أساس المنهج السلفي ومحور كل إصلاح، بحيث يجب البدء بهذا الأصل في كل عملية إصلاح، أما الاهتمام بغير ذلك من أوجه الإصلاح الديني فهي مجرد فروع؛ ما يجعل من صيغ الإصلاح ومناهجه وموضوعاته - عند هذا التيار - ثابتة ولا تتغير تحت ذريعة مراعاة ظروف مكان وزمان الدعوة.

ب- التيار المعتدل:

وهذا يرى أن مختلف جوانب الدعوة السلفية من تربية وتعليم وأمر ونهي وفتوى... كل ذلك قد يتغير في أسلوبه ووسائله، وأيضا في مضمونه بتقديم بعضه على بعض وتأخير بعضه عن بعض؛ لأن ما يصلح لزمان قد لا يصلح لآخر، وما يصلح في الحاضرة قد لا يصلح للبادية، وكذلك الشأن في المجالات المتصلة بصميم الدعوة، أي: العقيدة والعبادة والمعاملة التي قد تختفي أحكامها في بعض الأزمنة، وتظهر في البعض الآخر بحسب معطيات محيط الدعوة وعزيمة الدعاة وأحوال المدعوين.

المواقف الملموسة للسلفيين المغاربة

في القسم الثاني، وبدل المواقف النظرية، وقع الاهتمام أكثر بالمواقف الملموسة للسلفيين المغاربة، وذلك من خلال وصف مكثف للممارسات التي يكشفها الواقع وإبراز القيمة التداولية لهذه الممارسات في الحياة اليومية. وعلى هذا الأساس حظيت الحياة الدينية للمجموعات السلفية محل البحث بنفس القدر من الاهتمام الذي أوليناه لأيديولوجيتها.

كما سعينا من خلال هذا القسم إلى تحقيق قيمة إثنوغرافية مضافة من خلال المعطيات التي نجحنا في جمعها عن طريق البحث الميداني، ومن خلال ما أنجزناه من وصف مكثف لواقع التنظيمات السلفية محل البحث.

هكذا أولت الدراسة اهتماما كبيرا بالحركات السلفية في نشأتها وامتدادها وتوزيعها الجغرافي في مدينة مراكش، وتعززت هذه الدراسة بخريطة تفسر شكل امتداد وتوزيع مقرات التنظيمات السلفية في المدينة، كما نجح البحث الميداني في وضع خريطة أخرى توضح توزيع المقرات التابعة لهذه التنظيمات على المستوى الوطني.

وبعد العرض الاستطلاعي، انتقلنا إلى دراسة الحقل الديني لهذه المدينة بشكل عام، على اعتبار أن الاستعراض المونوغرافي، وإن كان يعرف بالتجليات السوسيولوجية للحركات السلفية، فإنه يبقى قاصرا على إدراك حجم هذا التجلي وأثره بالنسبة إلى باقي المؤسسات والوقائع والطقوس التي تشترك في تأسيس الحقل الديني. لذلك كان حريا بنا دراسة هذا الحقل عبر سلسلة من الدراسات monographs توخت بيان التأثيرات المختلفة لظهور وانتشار الحركات السلفية على مختلف القوى والمؤسسات والطقوس التي تتنازع حول هذا الحقل.

كانت البداية بالزوايا والأضرحة، وكان الهدف من هذه الدراسة الإجابة عن السؤال التالي: ما هو تأثير انتشار الحركات السلفية الحاملة لمشروع تغيير نمط التدين الشائع على ظاهرة عبادة الأولياء والزوايا السائدة والتي توجد مقراتها بكثرة في المدينة؟

وقد خلص البحث إلى نتيجة عامة وهي أنه وبالموازاة مع الانتشار التدريجي للمبادئ والسلوكيات الإسلامية في صيغها السلفية، حدث تراجع كبير لإشعاع الزوايا والأضرحة، إذ بدأت التنظيمات السلفية عملها في السبعينيات بضرب المرتكزات الاجتماعية والثقافية والنفسية لأشكال التدين الممارس في الزوايا والأضرحة؛ ما كان له كبير الأثر في الحد من هذه المؤسسات التقليدية في ممارسة نفس الفعالية. وإن كانت هناك حالات استثنائية عديدة لا تنسحب عليها هذه الخلاصة.

شملت الدراسة الثانية الكتاتيب القرآنية، وكان الأمر الهام الذي اكتشفناه - بفضل الزيارات التي تم القيام بها لعدد من الكتاتيب - هو استثمار العديد من خريجي دور القرآن السلفية في الكتاتيب القرآنية وفي مؤسسات التعليم الأولي بفعل توفرهم على المستلزمات القانونية التي تؤهل لفتح هذه المؤسسات، كما لاحظنا التفاف المعلمين السلفيين على المقررات الجديدة التي وضعها قانون التعليم العتيق، بحيث يتم تحويل هذه المقررات إلى كراسات صورية أو تفسر تفسيرا سلفيا، ولقد وفر استثمار السلفيين في الكتاتيب القرآنية ورياض الأطفال الفرصة للحساسيات السلفية من أجل معاودة الحضور الفعلي في التعليم ضمن إطار مؤسساتي وقانوني. خصوصا بعد إغلاق دور القرآن والمعاهد الدينية السلفية عقب أحداث 16 مايو 2003 بالدار البيضاء.

كانت الجمعيات الإسلامية محطة الاهتمام في دراسة الحقل الديني بمراكش، وقد تبين من خلال التحليل الميداني استفادة الجمعيات السلفية كثيرا من التناقض الكبير الذي ظل يطبع تدبير الدولة للحقل الديني لفترات طويلة، ويتمثل هذا التناقض في منع الحركات الإسلامية من ممارسة العمل السياسي بشكل طبيعي، في الوقت الذي استمر فيه بالسماح لتيارات أخرى بالدعوة داخل مجتمع يعتبر مسلما. وفي ظل هذا التناقض ظلت الجمعيات السلفية تشتغل بكل حرية تحت شعار تحفيظ القرآن الكريم، وتعليم العلوم الشرعية ومحو الأمية وتعليم السنة والإسهام في تربية النشء تربية دينية سلفية؛ ما أعطى لعملها فعالية من حيث القدرة على التعبئة.

وقد كانت المساجد محل دراسة أخرى، بحيث تم الوقوف على عدة مساجد ما تزال تحت السيطرة السلفية، بالرغم من كل الإجراءات التي جاءت بها السياسة الرسمية من أجل تأميم المساجد، إذ تستفيد المساجد السلفية في هذا الإطار مما ينسجه السلفيون من شبكات تواصلية دعائية تشجع على رعاية وتجهيز تلك المساجد وبناء أخرى؛ ما يغني هذه الأخيرة عن إعانات الدولة، ويساهم في تعزيز الحركة السلفية على مستوى القاعدة وفي الأحياء وشبكات التعاضد المتآلفة حول المسجد.

انسحب البحث أيضا على التعليم الأصيل الذي يعد بنية من بنيات التعليم في المغرب، وقد تبين أن من روافد التعليم الأصيل الحالية الكتاتيب القرآنية ودور القرآن والمعاهد الدينية والمدارس العتيقة والتعليم العام؛ ما يعني أن قبول حفظة القرآن الكريم المنتمين إلى دور القرآن والمعاهد الدينية السلفية بمؤسسات التعليم الأصيل يمثل اعترافا غير مباشر بشرعية هذه المؤسسات، كما تم اكتشاف انطباع مستوى المادة التعليمية المقررة في التعليم الأصيل بروح سلفية واضحة.

ولإتمام الدراسة المتعلقة بالحقل الديني لمدينة مراكش تم الاهتمام بالمدارس الدينية العتيقة المتواجدة بناحية مراكش تانسيفت الحوز، فقد أبان البحث أن بعض دور القرآن السلفية تقتات على الأزمة التي يعيشها هذا التعليم، إذ يعد ولوج تلك الدور أحد الخيارات المتاحة أمام طلبة التعليم العتيق، خصوصا بعدما تم تضييق الخناق عليهم بفتح المجال أمام حاملي الإجازة من مختلف الكليات التي تدرس العلوم الشرعية لولوج المهن الدينية الرسمية.

بعد إتمام دراسة الحقل الديني بمراكش وقياس درجة حضور وتأثير الحساسيات السلفية فيه، انتقلنا إلى دراسة أسواق الاستقطاب التي ينحدر منها أتباع الحركات السلفية، ففي البداية حددنا عينتين تنتمي كل واحدة منهما إلى الحركتين السلفيتين اللتين اهتمت بهما هذه الدراسة، وهما جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة، وجمعية الحافظ بن عبد البر، وكان من أهم أهداف المقابلتين اللتين أجريتا مع أتباع التنظيمين معرفة سن الأعضاء ومستواهم الدراسي وتكوينهم الديني وغيرها من المتغيرات التي رجحت انضمامهم إلى الحركتين المذكورتين، فخلصت الدراسة إلى التقارب الشديد بين سن الأتباع المنتمين إلى الجمعيتين، إذ تعد فئة الشباب سوق انتداب ممتازة بالنسبة للحركات السلفية، بحيث تعمل هذه الأخيرة على توظيف ذلك الانقلاب المفاجئ الذي يتم في الحياة الشخصية للإنسان أوائل البلوغ نحو اتجاه ديني جدي متسم بالحماسة الخلقية الشديدة والمعتقدات اللاهوتية القوية، وذلك من أجل استقطاب الأتباع.

أما على المستوى التعليمي، فقد اتضح أن أغلب أتباع الجمعيتين قد تلقوا تربية دينية، ومن أهم مظاهرها ارتياد المدارس العتيقة ودور القرآن، مع تسجيل خروج نسبي عن هذه القاعدة بالنسبة لجمعية الدعوة، فانسجاما مع هدفها في تبليغ الدعوة إلى العموم، تستقطب جمعية الدعوة نسبة من مريديها المترددين على دور القرآن من أوساط واسعة ليس لهم سوى حظ يسير من التربية، فهم كانوا إما عاطلين عن العمل، أو شبابا يافعين فقراء، أو أرباب أسر حائرين يواجهون آباء فقدوا سلطتهم التقليدية عليهم، ويعبرون عن احتجاجهم بتعاطي الكحول والمخدرات والانحراف، قبل أن يتحولوا بفعل الدعاية السلفية إلى مبشرين ووعاظ هدفهم إرجاع البقية إلى جادة الدين، في حين أن ما يقدمه المعهد التابع لجمعية الحافظ من إمكانية لولوج مستوى الباكالوريا هو الذي يفسر الإقبال عليه أتباع محددون هم طلبة المدارس العتيقة الحافظون للقرآن حصرا، بحيث يمكن اعتبار المعهد جسرا يعبر منه طلبة المدارس العتيقة إلى الكليات النظامية.

أما من حيث المستوى الاقتصادي للأتباع، فقد اتضح وجود حرمان اقتصادي يعانيه أتباع الحركتين، وهو حرمان تواجهه الحركات السلفية بالوعظ الديني، وبذلك فإن هذه الحركات تقوم، في واقع الأمر، بإخفاء الأسباب الحقيقية التي رجحت الإقبال عليها، إنها تقوم بمكافحة الفقر بالمعاني الجمعية التي تتشكل من خلال العيش داخلها، فليس من مصلحة الحركة أن يعي أتباعها طبيعة الحرمان الذي كان في مصدر انتمائهم لها؛ لأنها ستضطر عندئذ إلى وضع حلول عقلانية ودنيوية للتغلب على الحرمان؛ ما سيقضي عليها كحركة دينية، فالحل الديني الذي يتمثل في حالتنا بخطاب الوعظ هو في الحقيقة تعويض عن الشعور بالدونية الاقتصادية أكثر منه مجهودا للتغلب عليها.

وفي الأخير، خلصنا إلى أن كل حركة سلفية تقوم بإشباع حاجيات مختلفة، بحيث تقوم جمعية الدعوة باستقبال أصحاب "النفسيات القلقة"، لتلبي لهم حاجيات الأمن والاستقرار والثقة بالنفس والتحرر من مشاعر الخوف والقلق السائدة لديهم، في حين تعتبر جمعية الحافظ، وبفعل براغماتية أتباعها، مجرد جسر سرعان ما يغادره هؤلاء عند قضاء حاجتهم وهي الحصول على الباكالوريا.

التنظيم وأنماط القيادة عند الحركات السلفية

وفي فصل آخر وقع الاهتمام بقضيتي التنظيم وأنماط القيادة عند الحركات السلفية محل الدراسة، ففي داخل تنظيم جمعية الدعوة وقع التركيز على علاقة القائد بالأتباع لتفسير مسألة التنظيم داخل هذه الجمعية، حيث تبين عمودية العلاقة بين القائد والأتباع، بشكل يجعل كل القرارات تتمركز في يد القائد، وتنعدم فيها مشاركة الأتباع. فما يلفت النظر في هذه الحركة هو وجود قيادة مركزية تغيب فيها تراتبيات السلطة. يتعلق الأمر، إذن، بنوع من القيادة الأتوقراطية التي من سماتها: فرض الرقابة المباشرة على التنظيم، واتخاذ جميع القرارات المهمة، والحرص على ضمان الولاء للقائد.

وبفضل هذا النمط من القيادة يمتلك قائد تنظيم جمعية الدعوة قدرة كبيرة على ضبط المجموعة وجعلها تسير على الإيقاع الذي يريد، ما دام الزعيم يمتلك القدرات لتزويد التنظيم بالموارد المالية والرمزية المتمثلة أساسا في العلاقات التي تساعدها على العمل في أشد الظروف. فتنوع الموارد وتعددها وارتباطها بالقائد هو الذي يحسن مرونية التنظيم، على الرغم مما يرافق ذلك من شخصانية وفردية ولا مؤسسية تنظيمية.

وتسود لدى تنظيم جمعية الحافظ بن عبد البر للعناية بالتراث الإسلامي صورة مخالفة تماما، إذ وضعت نخب هذا التنظيم مبدأ تنظيميا جديدا وهو اللامحورية، حيث تم استبدال مفهوم القيادة المطلقة بمفهوم القيادة الاندماجية التي تقوم على نظام الاعتماد المتبادل، تكون القيادة فيه تعاونية يعمل فيها القائد كخادم للجماعة، فالكل يشارك كأقران في صنع القرارات. كما يتحمل الكل المسؤولية الناجمة عن تلك القرارات؛ ما جعل علاقات السلطة داخل جمعية الحافظ بسيطة لا تترك مجالا لتحكم جهة محددة، وما يجعل قراراتها مطبوعة بالتوفيقية التي تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط نمط توزيع السلطة القرارية داخل التنظيم، ولكن أيضا متطلبات الوضع الاجتماعي العام، ما يعد مؤشرا على قابلية التنظيم للتحول في اتجاه اندماجه داخل محيطه العام.

ولقد كان من غير الممكن ادعاء القيام بمعالجة سوسيولوجية للموضوع دون استعراض مسارات النخب السلفية في مدينة مراكش عن طريق التحليل البيوغرافي، هكذا تم التركيز على شخصيات نموذجية سواء كانت منتمية إلى الحركات السلفية أو كانت مستقلة، وقد تم اكتشاف أنه من الممكن أن تقاس الشخصيات التي شملتها الدراسة على النخب السلفية الأخرى، وذلك نظرا للمسارات المتقاربة لهذه الشخصيات، بالرغم من أن هذه النخب - مثلها مثل الأتباع - قد انتمت إلى التنظيمات السلفية عبر مسارات فردية وليس على أساس قاعدة مشتركة. وفي إطار هذا الفصل تم استعرض القدرات المعرفية والمادية التي تكون رأسمال هذه الشخصيات وتجعلها تتمتع بنفوذ مادي أو رمزي كبير في التنظيمات السلفية داخل المغرب وخارجه.

السلفية والعمل السياسي

وفي الفصل الأخير من القسم الثاني تم توظيف علم السياسة لدراسة العلاقة القائمة بين السلفية والعمل السياسي، لكن افتقاد الخطاب السياسي كان عائقا في وجه دراسة العلاقات السياسية للحركات السلفية محل الدراسة، وزاد من حدة هذا العائق انحسار نشاط هذه الحركات في حلقات التدريس ونشر وتأليف الكتب وغيرها من المناشط المليئة بالوعظ الديني، فما ظل يستقطب اهتمام الحركات السلفية هو الاستقامة الفردية وليس الفعل الجماعي الذي يتوخى أهدافا دنيوية، وهذا ما يجعل منها حركات تزدري السياسة وتبعدها من اهتماماتها لصالح العمل على تكوين طوائف تكون التضامنات الأهلية والجماعية فيها مؤسسة على التجربة الدينية الشخصية وتحقيق الذات بعيدا عن الإعداد والتأهيل السياسيين.

لكن البحث اكتشف أنه إذا كانت السياسة غير موجودة على مستوى الخطاب، فإن ذلك لا يعني غيابها، فهي تنتمي إلى مستوى آخر، مستوى الممارسة اليومية، بحيث يمكن أن نجد بعض مدلولاتها في أشكال العمل اليومية، والطقوس، والتنشئة، والعلاقات الاجتماعية، ولذلك عمل البحث على الكشف عن عناصر الفعل السياسي السفلي في هذه المستويات.

ومن خلال مختلف المواضيع التي تم التطرق إليها في القسم الثاني، خلصنا إلى أن الحركات السلفية التي كانت محل الدراسة هي نوع من الحركات الاجتماعية الدينية الوعظية التي تتبنى فعلا جماعيا يسعى إلى تغيير القيم وتجديد الأخلاق. لكن أنماط عملها تبين حقيقة أخرى، فإلى جانب الدوافع المثالية التي تحرك هذه الحركات، ثمة مصالح نفعية دنيوية تعتبر الأساس المفسر لقدرتها على التعبئة الاجتماعية.

ومما لوحظ على الحركات السلفية أيضا مرورها بمرحلتين مهمتين في سياق تطورها، حيث كانت المبادرات التنظيمية في البداية لا مركزية وغير منسقة وتطبعها التلقائية، حيث لم تكن تتميز إلا بشيء قليل من التنظيم، وانعدام الوضوح في الأدوار والأهداف. وفي مرحلة ثانية، بدأت مرحلة العمل المنظم والبناء الاجتماعي الذي تحددت فيه الأدوار، وتبلورت الأهداف في إطار أيديولوجية متكاملة.

سجلنا أيضا وجود اختلافات في مستويات أداء الحركات السلفية ودرجات فعالياتها؛ وذلك في ضوء الأهداف التي سعت إليها، والآليات التي استخدمتها، والسياق الاجتماعي الذي عملت ضمنه، واللحظة التاريخية التي نشأت فيها أو مرت بها، ولكن الصعوبة الكبرى التي واجهتها، ولا تزال، هي أنها تعمل بعيدا عن الأطر الرسمية للنظام السياسي، بمعنى أنها تفضل العمل من خارجه، لا من داخله، وهي وإن كانت بمثابة قاعدة لانطلاق النقد الاجتماعي وممارسته بشكل فعال، فإنها تظل في أغلب الأحوال تشكل في مجموعها الكلي حركات غير محددة الملامح وغير متجانسة إلى حد كبير، الأمر الذي يؤدي إلى آثار سلبية متعددة منها انكفاء هذه الحركات على ذاتها، وتقليل فعاليتها بصفة عامة وتعرضها للانشقاق المستمر.

فقد شهدت الحركات السلفية محل الدراسة موجات انشطارية متوالية أفضت إلى توزع المعسكر السلفي إلى عديد من الاتجاهات يصل الاختلاف بينها إلى حد التناقض، إذ لم يعد معطف السلفية قادرا على أن يجمع سلفية "جهادية" تدعو إلى الانقلاب على أنظمة الحكم وزلزلة عروشها، وسلفية "تقليدية" و"علمية"، تتبنى الفكر الانسحابي، وتدعو إلى طهارة المعتقد، وعدم منازعة الأمر أهله، فلا يجوز لديها مناكفة السلطان، سواء أكان ذلك بالوسائل الخشنة أم بالأدوات العامة، فكلاهما يشكل في نظرها نزعة خوارجية تتعاكس مع المنطوق السلفي الداعي للطاعة، وعدم شق عصا الجماعة.

وخلصنا أيضا إلى أن التيار الغالب والأكثر انتشارا بين السلفية هو تيار ما يعرف بالسلفية التقليدية (جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة) الذي يركز على قضية تصحيح الاعتقاد ومسائل العبادات، ويليه تيار السلفية العلمية (جمعية الحافظ بن عبد البر) وهو تيار يعتمد على إحياء التراث وتحقيقه وتكوين نخبة علمية سلفية. والتياران يشتغلان دونما أي مقاربة للسياسة جدلا أو اشتغالا، مع تسجيل أن الانتقال سهل وميسور من السلفية التقليدية والعلمية إلى الجهادية لأسباب عدم وضوح فكرة السلفية التقليدية والعلمية من مسألة الجهاد، والفراغ السياسي - رؤية وممارسة - الذي يتركه هذان التياران من خلال ابتعادهما عن السياسة، وعدم وجود تصور للتعاطي لهذه الأمور عند رموز وشيوخ ما يعرف بالسلفية التقليدية والعلمية؛ ما يشجع بعض الأتباع للتحول نحو إطار سياسي يعطي لفكرة الجهاد موقعا في عقيدته.

 

عنوان الرسالة  :    الحركات السلفية في المغرب (1971م - 2004م)
المؤلف  :    عبد الحكيم أبو اللوز
السنة  :    2008
الدرجة العلمية  :    رسالة دكتوراه

 

.

Partager cet article

Repost 0
Published by Utopia-666 - dans Des livres - كتب
commenter cet article

commentaires

Sites partenaires

Rechercher

Whos Amung Us

مقالات مختارة للكاتب من موقع الحوار المتمدن

مدونة #مالك_بارودي

Texte Libre

Translate this with Google