Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
31 juillet 2010 6 31 /07 /juillet /2010 11:27

.

 

الكتاب الذي بين أيدينا من أحدث الكتابات في هذا العصر التي تسعى لتقديم تفسير علمي لبعض المراحل والوقائع في تاريخنا الإسلامي. وقد حاول مؤلفه الدكتور محمد عابد الجابري أن يقدِم تفسيرا وتحليلا عصريين غير مسبوق إليهما لمحنة ابن حنبل في الشرق الإسلامي، ونكبة ابن رشد في الغرب الإسلامي، إذ بينما ظلت تفسيرات هاتين الحادثتين وتحليلاتهما دائرة في فلك علم العقيدة، فإن صاحب الكتاب عَنِيَ بالدعوة إلى إخراجهما من هذه الدائرة الموروثة، وذلك لأن تلك التفسيرات والتحليلات السابقة لا تتوافر على أي تفسير معقول يمكن للعقل الناقد تقبله والنـزول عنده.

إن إضفاء المعقولية السياسية على هاتين التاريخيتين أمر في غاية الأهمية في الوقت الحاضر، سعيا إلى التوصل إلى فهم عصري مكين لعلاقة الديني بالسياسي في تاريخنا الإسلامي من جهة، وما تحمله الشعارات "الدينية" في كل عصر من معان وغايات سياسيّة مستبطنة من جهة أخرى.

وقد وزع المؤلف مباحث الكتاب على مقدمة، وثلاثة فصول رئيسة. أما المقدم، فقد خصصها للتعبير عن الشعور الذي انتابه عندما همَّ بتأليف هذا الكتاب كما أورد فيها عرضا لجلة من التساؤلات المنهجيّة حول شخصية الفرد المثقف، والأدوات العلمية المؤهَّلة لتحصيل مكانة المثقف في المجتمعات مؤكِّدا ضرورة كون المثقف إنسانا مفكرا داخل مرجعية سابقة، إن كان معارضا أو مكرِّرا أو مدافعا.

من هو المثقف ؟

وأما الفصل الأول، فقد تطرق فيها إلى الحديث عن المثقفين في الحضارة الإسلامية، وحاول أن يؤرِّخ لظهور كلمة المثقف في الثقافات الأوروبية التي هي مصدر الدلالة المعرفية لكلمة المثقف في العصر الراهن. وفي هذه الأثناء استحضر المؤلف مفهوم الفيلسوف الماركسي الإيطالي غرامشي للمثقف الذي يؤكّد أن المثقفين لا يشكّلـون طبقة مستقلة، وأن كل مجموعة اجتماعية لها مثقفوها الخاصّون، وظيفتهم هي القيام بقيادة المجموعة وتحقيق الانسجام داخلها. وهذا المفهوم الغرامشي مفهومٌ ذو خليفة عقدية (=ماركسية)، ولذلك، فإنه لا يصلح للاعتماد عليه في تحديد معنى المثقَّف حسب تصور المؤلّف، وبدلا منه مال المؤلف إلى القول المؤلف إلى القول بضرورة الرجوع إلى الجذر اللغوي لهذه الكلمة، الذي لا يتضمن الإشارة من قريب أو بعيد إلى الدلالة المعرفيّة المعاصرة لهذا المصطلح، وهي دلالة أرجع المؤلف تلبس المصطلح بها إلى القرن التاسع عشر الميلادي، مؤكّدا أن تلك الدلالة فرنسية المنشأ، إن كلمة intellctual مشتقة من كلمة intellect، وتعني العقل أو الفكر. وعندما يستعمل وصفا لشيء فإنه يدل على انتماء ذلك الشيء وارتباطه بالعقل بوصفه ملكة للمعرفة، وعندما يستعمل اسما يراد به الشخص الذي لديه ميل قوي إلى شؤون الفكر وشؤون الروح. وأما الأحداث التاريخية التي مهَّدت لتحميل المصطلح هذه الدلالة، فإن المؤلّف أرجعها إلى حادثة اتهام ضابط فرنسي في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي بتهمة التجسس لصالح ألمانيا، وصدور حكم بسجن هذا الضابط بسبب هذه التهمة، غير أن عائلته وأصدقاءه زيفوا هذه التهمة عن طريق تجنيد شخصيات فكرة وأدبية مرموقة لمعارضة ذلك الحكم بإصدار بيان في جريدة (لورور) يحمل توقيعاتهم ومعنون بـ"بيان المثقفين Manifeste des Intellectueles. وما أن ظهر العدد الذي يحمل بيان أولئك حتى انقسم الرأي العام إزاء هذه القضية إلى تجمع جمهوري مطالب بإعادة المحاكمة، وإلى وطنيين معارضين لإعادة المحاكمة، وفي النهاية انتصر التجمع الجمهوري، وأعيدت محاكمة ذلك الضابط، فبرئ من تلك التهمة.

ومنذ ذلك الحين يمكن القول بأن دلالة مفهوم المثقف غدت تطلق على أولئك الذين يحملون آراء خاصّة بهم عن الإنسان والمجتمع، ويقفون موقف الاحتجاج والتنديد إزاء ما يتعرض له الأفراد والجماعات من ظلم وعسف من السلطات أيّا كانت سياسية أو دينية. فالمثقف بناء على ذلك ناقد اجتماعي يعمل على المساهمة في تجاوز عوائق النظام الاجتماعي، وهو ضمير المجتمع الحيّ، ولكنه –لدى السلطات- مثير للعراقيل والفتن، وخيالي طوباوي بل ميتافيزيقي.

المثقفون عبر التاريخ

وتحدث المؤلف عن ظهور المثقفين في أوروبا في القرون الوسطى، وأشار إلى أثر الثقافة الإسلامية في إعداد أولئك المثقفين عبر التاريخ الأوروبي، بيد أن ذلك الأثر لم يحظ بدراسة علمية واعية، ثم انتقل المؤلف إلى الحديث عن موقع الإنسان المثقف ضمن الشبكات التي كان يتحدَّد موقع الفرد عبرها في التاريخ الإسلامي، والتي كانت كالآتي: الراعي/الرعية، الخاصة/ العامة، العطاء/الخراج، العقيدة/ القبيلة، البدو/الحضر. وانتهى إلى القول بأن المثقف فرد من الرعية.

ولقد حاول المؤلف أن يؤرِّخ لظهور المثقفين في تاريخنا الإسلامي، فانتهى إلى القول بأنهم ظهروا خلال ثلاث فترات، أولاها: حيث كان ظهورهم متمثلا في طائفة المرجئة في حادثة مقتل أمير المؤمنين عثمان، وثانيتها: ظهورهم في طائفة (أو فرقة) الواقفية عندما تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، وثالثتها: ظهورهم في فرقة المعتزلة عند ظهور الخلاف في مصير مرتكب الكبيرة.

وأوضح المؤلف أنهم اتسموا عبر التاريخ بالتسامح والمرونة وتجنب الغلو والتطرف، فضلا عن تأكيد حرية الإنسان وإقرار مسؤوليته. وموقف المثقفين من قضية القول بخلق القرآن خير دليل على ذلك، إذ إن القول بالجبر اتخذته الدولة الأموية سلاحا في وجه المخالفين، لكونه مرتكزا على الإيمان بأزلية العلم الإلهي، ولما كان كلام الله (سبحانه وتعالى) (= القرآن الكريم) تعبيرا عن علمه – جلَّ شأنه - فإن ذلك يعني أنه أزليٌّ قديم، وذلك ما لم يرتضه المثقفون (= المعتزلة) وذلك على العكس من ذلك إلى أن القرآن مخلوق.

وانتهى المؤلّف من هذا التحليل إلى القول بأن القول بخلق القرآن ردٌّ على الوجود الأموي القائم على ضرورة القول بالجبر الذي مفاده أن كل ما فعله بنو أمية كان بسابق علم الله (سبحانه وتعالى)، وبمقتضى قضائه وقدره، وبالتالي، فقد كانوا مجبرين لا يتحملون شيئا من مسؤولية أعمالهم ولا يدخلون جهنم بجرائرهم.

وقرر المؤلف في نهاية حديثه عن تاريخ ظهور المثقفين في الحضارة الإسلامية أنه ابتداءً من القرن الرابع الهجري، لم تُحظ الساحة الإسلامية بظهور مثقفين حقيقيين، وإنما ظهرت أجيالٌ من مثقفين تميزوا من سابقيهم باستهلاكهم الثقافة، وبترويجهم إياها بدلا من ربطها بقضية اجتماعية أو سياسية.

 

ابن حنبل ومحنته

ثم انتقل المؤلّف إلى الفصل الثاني محاولا إيجاد نموذج يصدق عليه وصف المثقف بالمعايير التي سبق الحديث عنها، وحاول في هذا الفصل أن يؤكّد أن ظهور الخلاف في مستهل القرن الثالث الهجري حول كون القرآن الكريم كلام الله أو مخلوقا، قد مهَّد لظهور المثقفين الذين كان رائدهم أحمد ابن حنبل – رحمه الله- الذي كان يمثّل – في رأي المؤلف- الجماعة المثقفة الناقدة الاجتماعية، بيد أن تحليلات السابقين لأحداث هذا الخلاف ظلت ولا تزال مفتقرة إلى المعقولية السياسية. وأكد منذ بداية هذا الفصل أن محن العلماء في طبيعتها محن سياسية لا محالة، وذلك لأن المحنة تعني الاضطهاد والإرهاب الذي يتعرض له صاحب الرأي من ذوي النفوذ والسلطان، فالعالم يمتحن لكونه يمتلك سلطة التحدث باسم الدين، ولكونه يحظى بمساندة العامة (= الجماهير الشعبية) التي تشكل خطرا فعليا على مستقبل الحاكم ودولته، إذ إن تلك المساندة قد تتحول إلى ثورة أو انتفاضة ضدَّه. والعالم الذي يخلّد التاريخ ذكره هو ذلك الذي يصمد أمام صنوف التعذيب والاضطهاد مما يجعله في نهاية الأمر خليقا بلقب "البطل"؛ وأما العالم الذي يتراجع، ويتلكأ، فإنه يفقد شعبيته، وتذوي ذكراه.

وبناء على هذه المقدِّمة، فإن المؤلف توصل إلى القول بإن محنتي ابن حنبل في المشرق الإسلامي وابن رشد في الغرب الإسلامي محنتان سياسيتان. أما محنة ابن حنبل، فإنها – تاريخيا - تعود إلى عام 218 عندما أمر الخليفة العباسي عبد الله المأمون عامله إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة والمحدثين حول كون القرآن مخلوقا أو قديما (كلام الله)، فأرسل إليه خطابا يتضمن الإشارة إلى عظم خطر المعارضين للقول بخلق القرآن على الحياة العامة، وتأثيرهم في أغلبية الشعب. والأخطر من ذلك أن بعض أولئك من كبار الموظفين في الدولة، الأمر الذي أرَّق مضجع الخليفة، وجعله يلحُّ على عامله بالسهر على تطبيق أوامره وتعليماته في جميع الأقاليم التي تحت ولايته. والأغرب من هذا كله أن الخليفة المأمون بادر بالكتابة ثانيا إلى عامله طالبا منه اعتقال سبعة من رجال العلم في بغداد، ولكن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن ضمن قائمة الذين أمر الخليفة باعتقالهم وإرسالهم إليه فورا للاستجواب والاستنطاق، وعندما وصلت المجموعة المطالبة بالمثول أمام الخليفة إلى مجلسه، استجوبوا، فتراجعوا وانصاعوا لرأي الخليفة. ولئن خلا الخطاب الثاني للمأمون من اسم الإمام أحمد في القائمة صراحة، فقد تضمنه بطريقة غير مباشرة لأنه طالب بامتحان جميع المحدِّثين والقضاة والموظفين في الدولة، وقد كان الإمام أحمد من كبار المحدّثين، مما جعل عامل المأمون يناديه ويستجوبه، وتمسك الإمام أحمد برأيه وموقفه المتمثل في قوله: "هو كلام الله لا أزيد عليها". وبعد استجواب جميع القضاة والمحدثين صمد أربعة من أهل العلم منهم الإمام أحمد، وأُبلغ المأمون بهذا الخبر، فأمر باعتقالهم وإرسالهم إليه في أسرع وقت ممكن، وبعد استجواب متكرر وتعذيب مروِّع تراجع اثنان، وظل الإمام أحمد ومحمد بن نوح على موقفهما، فاعتقلا وحملا حيث معسكر الخليفة، وفي أثناء سيرهما هلك المأمون بعد أن ترك وصيّة لأخيه وخليفته (العسكري التكوين) المعتصم افتتحها بالتأكيد على القول بخلق القرآن وحمل الناس عليه بقوة السيف لا بقوة القلم، ومواجهة خطر الخرمية في بلاد فارس.

وقد لخّص المؤلف أعمال المعتصم طيلة مدة خلافته التي دامت ثماني سنوات وثمانية أشهر، في تحقيق مضمون وصية أخيه التي تتضمّن مواجهة خطرين يهدِّدان أمن الدولة: أولهما خطر المعارضين للقول بخلق القرآن، وثانيها خطر الخرمية، وأفنى المعتصم حياته في تحقيق هذين الأمرين، فحارب الخرميين وهزمهم، وقتل قائدهم بابك. وأما الخطر الإيديولوجي، فقد سلك معه نهجا أكثر تشدّدا من نهج أخيه المأمون. وبما إن رفيق الإمام أحمد في محنته، محمد بن نوح قد وافته منيته قبل وفاة المأمون، فإن الإمام أحمد بقي هو الوحيد الذي يهدّد أمن الدولة، ولذلك، لم يتوان المعتصم عن استنطاقه واستجوابه بنفسه، وتعرض لوابل من اللعنات والضربات التي أفقدته وعيه، فأغمي عليه، ثم ترآى للمعتصم أن الاستنطاق والاستجواب لا يفيدان في تغيير موقف ابن حنبل، فآثر إطلاق سراحه، والإبقاء عليه تحت إقامة إجباريّة طيلة بقية عهد المعتصم، ومنعه عن الحديث في المجالس العامة. حتى إذا ما هلك المعتصم سنة 227وعهد بالخلافة إلى ابنه الواثق بالله، فإذا به يتصدى لتحقيق ما عجز أبوه عن تحقيقه إزاء الخطر الأيديولوجي، فطفق يوسِّع نطاق المحنة لتشمل البصرة ومصر وغيرهما، برزت هنا طرقٌ للنجاة من هذه المحنة ابتكرها بعض العلماء عن طريق التحايل، والتمويه. وإن سئم أهل بغداد من هذه المحنة، فإن مجموعة منهم راودهم إعلان الثورة. واتصلوا بالإمام أحمد الذي رفض الاشتراك في هذه الثورة، وتمرُ الأيام، فإذا بالمحدّث أحمد بن نصر الخزاعي يتعرض فجأة للاستجواب، والاستنطاق على يد الخليفة الواثق الذي لم يتمالك نفسه أثناء الاستجواب، فأخذ صمصامة ودعا بنطعٍ فضرب ابن نصر الخزاعي على رأسه، فأرداه قتيلا. ولم يتوقف تعامل الواثق مع الخطر الإيديولوجي عند هذا الحدّ، وإنما جعل القول بخلق القرآن شرطا أساسيا في فداء أسرى المسلمين من الروم عندما همّ بتبادل الأسرى مع الروم.

وهكذا استعرض المؤلّف هذه المحنة كما توردها المدونات التاريخية، ثم حاول أن يحلّلها تحليلا يضفي عليها المعقوليّة السياسيّة، فأشار إلى ضرورة تفهم هذه المحنة تفهما حياديا، وضرورة وضعها في إطارها السياسيّ سعيا إلى إبراز العلاقة بين امتحان القضاة والمحدثين والشعار الذي نفذ باسمه ذلك الامتحان. وأكّد المؤلّف إن الصراع بين أطراف المحنة ظلّ صراعا على السطح بتواطؤهم جميعا، إّلا إن أمراء المحنة وظّفوا الشعار الدينيّ (= تحريم القول بأن القرآن كلام الله) لضرب المعارضة السياسية، كما أن المعارضة السياسية وظّفت هي الأخرى الشعار الديني (= القول بأن القرآن كلام الله)، ولم يكن من مصلحة الممتحنين التصريح بأن الهدف هو معارضة الدولة وتعبئة الناس ضدّها. وليبرهن المؤلف على كون هذه المحنة سياسيّة، عُني بالحديث عن ملابساتها التي تمثلت في وقوف من امتحنوا في صف محمد الأمين في صراعه مع أخيه عبد الله المأمون على السلطة. وبما أن ذلك الصراع حسم لحساب المأمون الذي لم يغفر لبغداد وأهلها وقوفهم في صف أخيه ضدّه، فإنه فتح المجال –عشية انتصاره- للفوضى واللاأمن أن ينتعشا في أرجاء بغداد لمدة ست سنوات. وفي هذه الأثناء تطوع جماعة من المحدثين والفقهاء على رأسهم ابن حنبل للعمل على استعادة الأمن ومحاربة المجرمين، والقضاء على بؤرة الفساد والتخريب. حتى إذا ما قويت شوكة هذه الجماعة، استشعر المأمون خطورتها إذ أصبحت تسيطر على الرأي العام في بغداد. غير إنه لم يكن في مقدوره مواجهتهم مباشرة، فحاول –حسب تصور المؤلف- توظيف الديني (=كون القرآن مخلوقا) من أجل السياسي (=ضرب تلك الجماعة باسم الدين لا باسم السياسة). ويضيف المؤلف قائلا بأن هذه الجماعة غدت تبدي تعاطفها مع بقايا الأمويين الذين نبشت قبور موتاهم واستهزئ بجماجمهم وعظامهم. وعليه، فإن قرار المأمون في امتحان المحدثين والقضاة قرار سياسي كان يهدف إلى قمع حركة معارضة آخذة في التنامي والتمكن.

وأخيرا، تطرق المؤلف إلى القول بإن تغيير الخليفة العباسي المتوكل على الله سياسة أخيه وأبيه وجدّه في هذه القضية خير برهان على كون هذه المحنة محنة سياسية، وأعاد سبب ذلك التغيير إلى إحساس المتوكل بتزايد نفوذ القواد الأتراك في القصر، الأمر الذي يشكل في طبيعته خطرا محدقا بالخلافة العباسية عامة. ولذلك، فإنه مال إلى فتح ملف مصالحة مع جماعة المطوَّعة، وأبعد المعتزلة عن البلاط –حسب رأي المؤلف- طمعا في كسب الجماعة الأولى. بيد إن هذه التدابير لم تصمد أمام رغبة الأتراك في الاستيلاء على الحكم، وتحقق لهم ذلك عندما استعانوا بابن المتوكل فقتل أباه، ثم تخلص منه الأتراك لاحقا.

ويختم المؤلف حديثه في هذا الفصل بتأكيد توظيف السياسي الديني من أجل مآربه في عهدين متباعدين ومتعارضين، فبينما كان القول بخلق القرآن خطرا ومفضيا بصاحبه إلى الهلاك في العهد الأموي، يجد المرء أن عدم القول بخلق القرآن يفضي بصاحبه في العهد العباسي إلى الهلاك والفناء، وتلك هي مأساة الديني عندما يوظّف لتحقيق مآرب السياسي. ويشير المؤلف إلى أنه لا ينبغي تحميل المعتزلة وزر خلفاء المحنة، فالمعتزلة نخبة مثقفة "ليبرالية تنويرية" استعملتها الدولة أدوات للسيطرة والهيمنة، كما استعانت الدولة الأموية قبل ذلك بكثير من المحدثين والفقهاء لضرب معارضيها من الشيعة والخوارج. وعليه، فإنه يمكن القول بإن علاقة المثقفين بالسلطة بالأمس _معتزلة وأهل سنة) أشبه بعلاقة المثقفين بالسلطة اليوم (سلفيين أصوليين وعصريين حداثيين). وأما جوهر العلاقة، فهي في الماضي والحاضر التناوب على خدمة سيطرة الدولة وهيمنتها.

ابن رشد ونكبته

وهكذا يختم المؤلف حديثه عن محنة ابن حنبل، لينتقل في الفصل الأخير من الكتاب إلى الحديث عن نكبة ابن رشد المشابهة في بعض جوانبها لمحنة ابن حنبل، ويستهل المؤلف حديثه عن هذه النكبة بالتنبيه على أن هدفه من دراسة هذه النكبة تقديم تفسير لها يتطابق مع طبائع العمران/وطبائع الاستبداد، فالاستبداد واحد سواء كان استبدادا جاهليا – حسب تعبيره- كاستبداد الحجاج بن يوسف. وأما علاقة ابن رشد بالموحدين، فتعود إلى ذلك اليوم الذي قدّمه فيها ابن طفيل إلى مؤسس الدولة الموحدية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ليتولى مهمة ترجمة كتب أرسطو وشرحها نـزولا عند رغبة الخليفة في تقريب أغراض تلك الكتب إلى أفهام الناس ومداركهم. وقد أعجب الخليفة بذكاء ابن رشد وفطانته ورسوخ قدمه في الفلسفة، فعينه قاضيا على إشبيلية، ثم على قرطبة، فضلا عن عمله طبيبا خاصا للخليفة بعد وفاة ابن طفيل. وقد وفّق ابن رشد إلى تأليف جملة من كتب الفلسفة، مما زاده حظوة في بلاط الخلفة. وعندما توفي الخليفة وخلفه ابنه المنصور في الحكم، احتفي بابن رشد مثل احتفاء أبيه به، بيد إنه بعد مضي ثلاث عشرة سنة على تلك العلاقة الحميمة بين الخليفة وابن رشد، تحوّلت إلى نكبة ذاق ابن رشد من ويلها الكثير. ففي عام 593ﻫ عمَّم الخليفة منشورا أدان فيها ابن رشد وجماعة معه، ووسمهم بالشرذمة وشبههم بالسموم السارية في الأبدان، وأمر بإحراق كتبهم، وإتلافها. ولم يكتف الخليفة بهذا، وإنما زجَّ بهؤلاء الجماعة في غياهب السجون.

يرى المؤلف أن السبب الحقيقي وراء قلب الخليفة الموحدي ظهر المجن لابن رشد ظلَّ ولا يزال لغزا لمّا يُضف عليه شيءٌ من المعقولية السياسية، ولئن ذهب قوم إلى القول بأن سببه يكمن في تأويل نصوص أو عبارات صرف معناها إلى أسوأ مخرج، فإن فقيها بمنـزلة ابن رشد ما كان ليتورط في شأن كهذا، بل لا يعقل أن يتجشَّم خصوم ابن رشد أعباء السفر من قربة إلى مراكش لإبلاغ الخليفة بهذا الأمر. وإن خمَّن بعض سبب النكبة فيما ورد في بعض كتب ابن رشد من وصف الخليفة الموحدي بملك البربر، فلم تكن المسألة سوى خطأ في النسخ كان بإمكان ابن رشد تداركه بالقول بإنه قصد ملك البرَّين كما كان يوصف ملوك الموحدين: ملك بر المغرب وبر الأندلس. وهكذا، يردُّ المؤلف كل ما ضمته الكتب القديمة من ذكرٍ لسبب نكبة ابن رشد وجماعة الأعيان، ليخلص إلى القول بإن ثمة تهمة سياسية هي التي حرَّكت الخليفة ودفعته إلى محاكمة ابن رشد وجماعة الأعيان، وفرض الإقامة الإجبارية عليهم. ويرى المؤلف أن هذه التهمة إما أن تركّز على نصوص لابن رشد، وعندئذ يجب النظر في كتابه الموسوم بـ "جوامع سياسة أفلاطون"، أو تكون مبنية على علاقة ابن رشد مع أحد الأطراف السياسية. وعندئذ يجوز القول بأن سبب النكبة عائدٌ إلى العلاقة المشبوهة التي كانت بين ابن رشد وبين أخي الخليفة ابن يحيى الذي كان راغبا في الانقلاب على أخيه.

وأما السبب الأول السياسي العلمي فيرجّح المؤلف أن يكون لبعض ما ورد في كتاب جوامع سياسة أفلاطون علاقة بنكبته، وغضب الخليفة عليه، وخاصة إن هذا الكتاب تضمن قضايا مثيرة في السياسة والمرأة، إذ يكاد ابن رشد يقرُّ ولاية المرأة وحكمها كما قرَّر افلاطون، كما تحدَّث ابن رشد في الكتاب عن الواقع السياسي في الأندلس، وأطنب في الحديث عن مزايا الحكم الجماعيّ وفضله على الحكم الفردي الطغياني، فضلا عن حديثه عن تصرفات الحاكم المستبد وتجاوزاته، وما ينجم عن ذلك من سخط العامة عليه وعلى حكمه. ولا يتردد ابن رشد في المقارنة بين شعراء سوء يمدحون الطغاة والحكام المستبدين في جمهورية أفلاطون بشعراء سوء في الواقع الأندلسي يسلكون المسلك ذاته. وقد تجاهل ابن رشد في كتابه أي ذكر للخليفة الموحدي إن إشادة أو غير ذلك، وأكبر من ذلك إنه أهدى كتابه إلى شخص ذي مكانة ومنـزلة مرموقة لم يبح باسمه.

وأما السبب السياسي الآخر الذي افترضه المؤلف، فيتمثل في علاقته المشبوهة بأخي الخليفة والي قرطبة. وقد حاول المؤلف أن يثبت هذا السبب السياسي بأن الشخص الذي أهداه ابن رشد كتابه هو أخو الخليفة، ويشير المؤلف إلى جملة من المؤامرات التي طالبت الخليفة المنصور من أعمامه، وإخوته، وقد نكل بجميع المتآمرين.

وأيّا ما كان الأمر، فإن المؤلف يخلص إلى القول بإن نكبة ابن رشد والأعيان معه ترجع إلى ما نسب إليه من أمور ذات طبيعة سياسية، وما ورد في كتابه جوامع سياسة أفلاطون من انتقاد للأوضاع في الأندلس هي التي أكّدت الشكوك حول علاقته بأبي يحيى أخي المنصور الذي كان الاستيلاء على الحكم يراوده بين الفينة والأخرى. ولئن ذهب آخرون إلى ربط سبب النكبة بآراء رشديّة في الدين، فإن ربطا كهذا لا يعدو أن يكون تسطيحا لا نصيب له من الحقيقة. ويختم المؤلف كتابه قائلا أنه كان الخليفة العباسي المأمون غلّف محنة ابن حنبل بغلاف إثبات الشريك مع الله، فإن الخليفة المنصور هو الآخر – مع الفارق الزمني العميق- تذرّع بذات الوسيلة نفسها في مواجهة ابن رشد وأعيان الجزيرة معه، فالجامع بين المحنتين هو الشرك في السياسة، ويعاقب عليه الحاكم باسم الشرك في الألوهية!

وأخيرا. . رأي ورؤية

بعد هذا الاستعراض لأهم الأفكار الواردة في هذا السفر القيّم، فإنه من الإنصاف القول بأن مؤلفه قد تميز بسلاسة العبارة، وقوة البيان، والقدرة على أسر القارئ وإقناعه بما توصل إليه من تحليل وتفسير لهاتين المحنتين. بيد أنه قد عنت لنا جملة من الملاحظات المنهجية والموضوعية التي يجدر عرضها أملا في أن يسهم في تنشيط حوار علمي دعا إليه المؤلف ذاته:

§ غلبة اتباع المنهجية التطويعية الانتقائية في تحليلات المؤلف، إذ إنه عمد إلى انتقاء جملة من المعلومات التاريخية التي تعضد وجهة النظر التي يتبناها، ولذلك، لا غرو أن يجده المرء ينـزع إلى التصرف المخلّ في المعلومات التاريخية المنقولة بحذف فقرات يخيّل إليه كونها غير خادمة لما يريد تحقيقه من النتائج، ولا شك أن صنيعا كهذا ينطوي على نـزعة تبريرية أكثر منها أن تكون علميّة مقبولة. وقد كان ينبغي للمؤلف أن يسرد النقولات، ويستنطقها، ولا يتخذ اختصارها واختزالها منهجا غالبا في النقل. ونظرا إلى هذا المنطلق الاستدلالي نجد أن المؤلف ضمن لنفسه منذ البداية النتيجة التي كان يريدها، ولذلك، فقد انتقى جملة من المقدمات التي تقوده بحتمية المنهج وصرامته إلى النتيجة التي تبناها ابتداء سواء في المعقوليّة السياسية التي أضفاها على محنة ابن نبل، أو على نكبة ابن رشد.

§ إن ميل المؤلف إلى القول بأن ظهور المثقف عبر التاريخ مرهون بظهور الخلاف ذي الطبيعة السياسية في أكثر الأحيان مفتقر إلى دليل علمي مساند، وخاصة أن نكبة ابن رشد التي أوردها لم يسبقها ظهور أيّ خلاف البتة، إذ لم تكن ثمة قضية سياسية يختلف حولها، الأمر الذي يجعل المرء في حِلٍّ من قبول هذه الدعوى غير السديدة. وفضلا عن ذلك فإن الحادثة التي اتخذها المؤلف أصلا لإثبات هذه المقولة لا تدلّ في صميمها على خلاف جوهري في السياسة، وعلى فرض اعتبارها خلافا في السياسية، فإنها وحدها لا تكفي لإثبات قاعدة عريضة كهذه، فقد كان حريا بالمؤلف البرهنة عليها عبر جملة من الحوادث، وهو ما لم يحصل، وإنما عمد إلى إسقاط القاعدة على محنتي ابن حنبل وابن رشد دونما برهان ولا حجة مقنعة، ومع وجود الفارق الجذري بينهما وبين القاعدة الأصل.

§ ثمة خلل منهجي خطير ينبغي الإشارة إليه، وهو قلة المصادر التي اعتمدها المؤلف، ففي محنة ابن حنبل اتخذ المؤلف تاريخ الطبري مصدرا لسائر التأويلات والتخريجات التي ذهب إليها، ولم يتجاوزه – تقريبا- إلى أي مصدر تاريخي آخر سابق أو لاحق، بل لم يترك هذا الكتاب في أكثر الأحيان يعرض المحنة بصورة مكتملة، وإنما كان الانتقاء، والاختزال هما القاعدة، الأمر الذي يوحي إلى القارئ يكون الإمام الطبري إما أصلا للمعقولية السياسية التي أضفاها المؤلف على المحنة، أو مؤرّخا ذا أفق ضيّق لم يكن يعي في كثير من الأحيان المعلومات التاريخية التي ضمّنها كتابه. وقد كان حريا به أن يبوح بهذه المعقولية التي اتّقدت في قريحة الدكتور الجابري في مشارف القرن الحادي والعشرين وجهلها الطبري أو تجاهلها.

§ إن النتيجة التي توصل إليها المؤلف انبنت – كما سبق أن ذكرنا- على نهج انتقائي للنصوص المتعلقة بهذه المحنة، وكان حريا بالمؤلف ألا يتبع مثل هذا المسلك. وإذا قبل القارئ من المؤلف أن ينتقي من مناهج البحث العلمي ما يروقه ويحلو له، فإن من حقه ألا يقبل منه أسره إياه بجملة من المعلومات المختزلة المنـزوعة من سياقها، ثم تعميمها تعميما لا مسوغ علميا له. فالمؤلف أورد في خضم الحديث عن أول خطاب بعثه المأمون لاستجواب القضاة ورجال الدولة أن اسم ابن حنبل لم يكن مدرجا في ذلك الخطاب، الأمر الذي يمكن تفسيره بأحد الأمرين: أولهما أن يكون ابن حنبل غير مقصود بهذه المحنة، إذ إنه لم يكن قاضيا، ولا صاحب منصب سياسي، أو أن يكون ابن حنبل في ذلك العصر رجلا كثير التنقل والسفر بحثا عن الحديث النبوي... ولكن المؤلف لم يشر إلى أيٍّ من هذين الاحتمالين، بل عرض هذا الأمر دونما تعليق عليه. ومن حقي بوصفي قارئا معجبا بتحليل المؤلف أن أطالبه بضرورة الاهتمام بحياة ابن حنبل السياسية قبل المحنة وإيفائها ما تستحق من التوضيح والتفصيل، ومن حقّ أي قارئ أن يتساءل عن المواقع السياسية التي كان يحتلها غير القضاة الذين امتحنوا في المحنة كالقوارير وسجادة ومحمد بن نوح، وغيرهم كثير. صحيح إن تشكيلة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تشكيلة محدّثية، ولكنه صحيح أيضا إن الحديث في السياسة وعن الساسة لم يكن رائجا لدى كل المحدّثين، فابن حنبل كما ذكر المؤلف نفسه (ص 83) رفض الانضمام إلى المجموعة التي ساورتها نفسها بالشغب (= التمرد السياسي).

§ إن المؤلف لم يحاول أن يضفي شيئا من المعقولية السياسية على تراجع المعتصم عن قتل ابن حنبل بعد أن كان قتله يراود جميع حواشيه، ولكن المعتصم رأى إعادة ابن حنبل إلى منـزله، ومنعه من الحديث إلى العامة. وأما الواثق الذي كانت السطوة والجبروت سجية في طبعه، والذي كان عدم القول بخلق القرآن –في نظره- معادلا للخروج المسلح على خلافته، فهو الآخر اكتفى بإرسال برقيات تحذير إلى ابن حنبل، الأمر الذي تجاوزه المؤلف وأغفله، ولم يضف عليه شيئا من المعقولية السياسية التي يريد أن يفسر بها وقائع التاريخ.

§ إن تجلية الجانب السياسي والممارسات السياسية والموقع الذي كان يحتله ابن حنبل قبل المحنة أمرٌ ضروري لقبول النتيجة التي انتهى إليها المؤلف، وما لم يُجل ذلك الجانب المهم، ويكشف عن كوامنه، فإن أي تفسير سياسي للمحنة يظل جملة من الاحتمالات التي لا ترقى إلى درجة الصحة واليقين. ولعلّ مراوحة المؤلف حول تاريخ الطبري هي التي جعلته مستعجلا الوصول إلى النتيجة التي يحّدها ابتداء لهذا البحث. وما ذهب إليه المؤلف حول موقف أهل السنة والجماعة من الأمويين، حيث انتهى إلى القول بإن عددا من رجالات أهل السنة أظهروا التعاطف مع الأمويين، والترحم عليهم، سعيا إلى إغاظة العباسيين، وتحريك الشارع ضدهم، وهذا أمر بحاجة إلى الإثبات، ولا يكفي أن يعنى المؤلف بتأويل عبارات مأثورة عن ابن حنبل تأويلا تطويعيا، لينطلق منه في تقرير هذه المعلومة، إذ إن من المعلوم إن علماء الحديث والفقه كانوا في طليعة الجماعات التي قاومت الحكم الأموي ورفضته. فموقف سعيد بن جبير الذي أورده المؤلف على عجل (69) من الحكم الأموي خير شاهد على ذلك، بل إن موقف سعيد بن المسيب من الخليفة الأموي عبد الملك الذي أورده المؤلف دونما انتباه (70) هو الآخر برهان على مقاومة المحدثين للحكم الأموي. وقد أثر عن كثير منهم جملة من العبارات الدالة على سخطهم على الحكم الأموي، فإنى يكون لهم كل تلك المواقف أثناء الحكم الأموي ثم يصنفهم المؤلف في زمرة كانت تكنّ التعاطف وإعادة الاعتبار للأمويين؟ إن النص الذي أورده المؤلف عن ابن حنبل، وفهم منه أن يكون بنو عباس مقصودين به سياسيا فهم تطويعي غير سديد، وعليه، فإن كان ثمّ تغيُّر في موقف المحدثين من الأمويين بعد زوال ملكهم، فلا ينبغي أن يحمَّل نص ابن حنبل ما لا يحتمل، وخاصة إنه ليس ممن عاصر الخلافة الأموية ولا عانى منها شيئا، وإنما صدر عما كان يؤمن به، ويراه صوابا بغض النظر من أن يكون ذلك سبيلا لإرضاء الأمويين، أو إغضاب العباسيين.

 

 

عنوان الكتاب  :    المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد
المؤلف  :    محمد عابد الجابري
الناشر  :    مركز دراسات الوحدة العربية
المدينة  :    بيروت
السنة  :    2000
صفحات  : 165

 

.

Partager cet article

Repost 0
Published by Utopia-666 - dans Des livres - كتب
commenter cet article

commentaires

Sites partenaires

Rechercher

Whos Amung Us

مقالات مختارة للكاتب من موقع الحوار المتمدن

مدونة #مالك_بارودي

Texte Libre

Translate this with Google