Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:43
salinger.jpg.
لم يكن ج. د. سالينجر يحبّ عزلته على الأرجح. كان يكره النظام. ترك وصية تقول انه لا يجوز لأي كان ان ينشر مخطوطاته إلا بعد انقضاء خمسين عاماً على موته. يقال انه ترك أكثر من 15 مخطوطة. لمن كان يكتب؟ هذا السؤال لا يُسأل في أميركا، هذا البلد المهووس بالقراءات المفيدة، ومهووس ايضاً بالحكايات. لم يكن سالينجر يحبّ عزلته، على الأرجح، وإلا لكان الموت أنهاها. والأرجح انه كان يدرك ان احتمال انتصار النظام عليه بعد موته أكثر من وارد. لهذا قرر ان يمنع النظام من استثمار الموت. علينا ان ننسى سالينجر، احد أكبر كتاب القرن العشرين، على ما يصفه النقاد في اميركا، لأنه لا يريدنا أن نقرأه. هو يريد قارئاً يعيش في النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين. قارئ ليس بينه وبين الكاتب صلات مباشرة من أي نوع. قارئ إذا ما قرر ان يقرأ فلسبب يشبه السبب الذي جعل الكاتب يكتب.
لمن يكتب الكتّاب في أميركا؟ يجدر بنا أن نبحث عن القارئ الغامض جيداً. حقول البحث تبدو متشعبة إلى حد يجعل المرء يحجم عن ذلك. في الأساس يمكن التقرير من دون كثير من الجدال ان أميركا تطفح بالقصص. قصص من كل نوع. لكنها مع ذلك، ورغم فرط القصص المتحجرة في الذاكرات، إلا أن اميركا ما زالت تبني بعض مجدها على القصص. قصص النجاح والفشل. تقصي الأسباب التي تصنع من الشخص قصة قابلة للانتشار. القص صعوداً وهبوطاً. في كل قصة من هذه القصص ثمة الكثير من العرق والألم والأمل والخيبات. لكن انتشار هذه القصص وشيوعها بين الناس لا يتعلق بالدم والعرق والألم والأمل والخيبات. يتعلق بأمرين لا ثالث لهما: النجاح والفشل. بطل سالينجر هو النقيض. الذي لا يريد ان يكون شيئاً. المراهق الذي قيل فيه انه امثولة الجيل الذي أعقب الحرب الكبرى الثانية. جيل بلا أحلام. هذا الحكم في ما يبدو هو الذي جعل سالينجر يحجم عن استجداء القراء. ذاك أن بطله لم يكن المراهق بلا احلام وطموحات. بل هو على الأرجح المراهق الذي لا يريد ان يحلم لئلا تلاقي أحلامه مصيراً من اثنين: الأفضل مبيعاً، او الأحلام المهملة والخائبة التي لا يريد أحد ان يلتفت إليها، لتترك على قارعة الطريق بلا مأوى. اميركا بلد المشردين بمقدار ما هي بلد الناجحين. هذه بلاد ليست سوى مصنع هائل لمشاعر الحسد والشماتة. البطل يجب ان يهزم، وليس ثمة أحد يستطيع ان يبقى فائزاً إلى ما لا نهاية. اليوم ثمة بيل غيتس يستعد للترجل عن حصان الشهرة. قبل بيل غيتس ترجل كثيرون، هنري فورد، ج. ب. مورغان، الان غرينسبان، روكفلر... جورج بوش. ثمة حصان جامح يرمح في المضمار، سيهزم بيل غيتس وينزله عن الصهوة. الأميركيون ينتظرون هذه اللحظة بمزيح من مشاعر الحسد والشماتة. هكذا هزمت أميركا مايك تايسون، هزمته لأنه لم يكن يبحث عما هو أكثر من اكتساب الاحترام. كان عليه ان ينساق وراء متطلبات الشهرة لأنها الطريق الوحيدة التي وجدها أمامه ليكتسب الاحترام. أقله هذا ما صرح به لصحافي كندي إثر حصوله على لقب البطل. تايسون نفسه كان يعرف ان الذين حوله يسرقونه، لكنه لم يجد وسيلة لإبقائهم حوله واظهار الاحترام لشخصه غير السماح لهم بسرقته. يا للحياة الممضة، تعرف أنهم يحسبونك غبياً واحمق، لكنك تريد منهم اظهار الاحترام. تايسون مثله مثل غيره كان يعرف ان مشاعر الاحترام والتبجيل توجه نحو المال وليس نحو الأشخاص. الأشخاص غرض من أغراض الشماتة والحسد، وحده المال ما يجدر بنا احترامه وتبجيله.
سالينجر كان يعيش بعيداً عن هذا كله. هجر نيويورك إلى بلدة نائية في نيو هامبشير. نيويورك التي يهاجر إليها الطامحون، وسرعان ما تلوكهم في مطحنتها الهائلة فتلفظهم أشلاء. لكنها نيويورك التي تبقى محجة الطامحين. لماذا هجرها سالينجر؟ الإجابة ايضاً غامضة. لكن المرء إذ يجيب فلأنه يعرف نفسه. ونادراً ما يجيب المرء لأنه يعرف الآخر، او الحقيقة. مرة أخرى يجدر بنا ان نتذكر بطل سالينجر المراهق. ذاك الشاب كان يكذب. لم يكن شيئاً مما ادعاه. إنها فلسفة السي. في. (السير الذاتية) ونظامها المريع. المرء في أميركا هو ما يدعيه، والناس الذين حوله هم بالتحديد الذين يجهدون فقط لإثبات أنه يدّعي ما ليس فيه. هذا ينطبق على الرؤساء بمقدار ما ينطبق على المواطنين جميعاً. هكذا تدار محاكمات الطلاق في هذه البلاد، وهكذا تنتشر كتب السير الذاتية. وهذا ما يحب الاميركيون قراءته على اغلفة المجلات: براد بيت وانجلينا جولي هما الثنائي المثالي، إنما يجب الا تغرّنا المظاهر، هي تسر لبعض الصحافة انه لا يستطيع ان يفعل شيئاً بطريقة صحيحة، وهو يزعق في وجهها ويمضي معظم وقته خارج البيت. لقد بدأ رحلة النزول عن قمة الثنائي المثالي منذ ان اصبحا ثنائياً. يبقى ان ما يفصلها عن الفشل ليس إلا الوقت.
قيل في بطل سالينجر انه يمثل روح الشباب الأميركي في الستينات: اين هو هذا الجيل؟ أين آثاره؟ الجيل المتمرد هو الجيل الذي تلفظه اميركا على طرقاتها، او تعيده إلى منابته ومساقط الرأس خائباً. مع ذلك يجدر بنا ان نتقصى آثاره جيداً. جيل الستينات هو الجيل الحاكم في الولايات المتحدة اليوم، اي الرجال والنساء الذين هم اليوم في منتصف كهولتهم. من هؤلاء خرج كينيث ستار، المدعي العام الذي من صفاته الحميدة انه لا يدخن ولا يشرب الكحول إلا تجاملاً، ويعتقد ان بيل كلينتون ارتكب جريمة بحق الشعب الأميركي حين اقام علاقة مع مونيكا لوينسكي. لا يكذب ولا يدعي ما ليس فيه، وهو ايضاً ناجح في عمله ومواظب عليه، مثلما كان مجلياً في دراساته التي لم يحل بينه وبين استكمالها على اتم وجه اي حائل من أي نوع. كينيث ستار هذا هو نقيض بطل سالينجر من دون شك. إذاً ثمة من يقول ان جيل الستينات في أميركا هو الجيل الثائر الذي احبطت احلامه، ليربح امثال كينيث ستار عصا البدل ويكملون السباق. هكذا في وسعنا ان نتخيل، إذا كان ما يشاع في هذا المجال صحيحاً، خيبة سالينجر واحباطه الكبيرين.
لكن مسألة أخرى في إمكانها ان تؤرق من يريد هذا الجواب. لقد اعتزل سالينجر الحياة العامة قبل ان يتسنى لأمثال كينيث ستار انهاء دراساتهم الجامعية. من أين اتت هذه الخيبة كلها؟ لنقل انه مزاجه الشخصي. حسناً، ما الذي يقوله المرء في شخصيات بول اوستر، ماذا عن رابيت بطل جون ابدايك، وماذا ايضاً عن جاك كيرواك؟
الأرجح ان سالينجر كغيره من كتاب الروايات الكبار في أميركا اليوم، يحاولون تقصي القصص والمصائر الشخصية في المكان الوحيد المتاح أميركياً. أي في الهامش المحض، في المكان الذي لا يعود فيه المرء يملك غير الذكريات، سواء كان متقاعداً ام متشرداً «على الطريق». لن تفصح جين فوندا عن خلافاتها مع تيد تيرنر إلا بعد أن يتم الطلاق. اما السنوات السبع التي قضياها منفصلين عملياً قبل إعلان الطلاق فليست مما يجدر بأحد معرفة تفاصيلها. ما زال الاثنان قيد النشاط والتأثير، ولم يتقاعدا بعد، او يستسلم اي منهما للرغبة في الوقوف في المضمار لأخذ نفس عميق. يقال إن اميركا بلد يتحكم فيه المتقاعدون. اولئك الذين يثبتون أنهم استطاعوا انهاء السباق، وهم ما زالوا في صحة جيدة ويستطيعون التمتع بشموس الإجازات وأموال التقاعد. أما الذين يسقطون في منتصف السباق، فليس ثمة ما يمكن الحديث عنه في شأنهم. بطل ابدايك في رواية «قرى» هو رجل متقاعد، وكذلك بطل اوستر في رواية «بروكلين فوليز». هذا غيض من فيض. إنما ثمة ما يحض على الاعتقاد ان المرء في هذه البلاد لا يصدق مع نفسه إلا حين ينهي السباق. بطل سالينجر كان كاذباً ويعرف انه يكذب. الأميركيون يكذبون ولا يعرفون انهم يكذبون. كل واحد فيهم يعرض سيرته الذاتية على الجميع. سيرة ذاتية جيدة وادعاء اتباع حمية غذائية. وتالياً انا قادر على انهاء السباق بصحة جيدة، لأوفر لنفسي في سن التقاعد بعض المتع. لكن سيرة الاميركيين اليومية هي السقوط اليومي في فخ اطايب الطعام والسهر القلق، والخوف على المستقبل، والتكاسل عن التمارين، وسهولة الوصول إلى البدانة المفرطة. السيرة الذاتية تشبه الهويات، هي ما نريد ان نكونه، وليست ما نحن عليه.
بطل سالينجر يكذب، والاميركيون لا يكذبون. هكذا يحصل التفريق بين من يكذب ومن لا يكذب اعتماداً على النية. فبطل سالينجر يكذب لأنه لا يريد ولا ينوي ولا يرغب ان يصبح ما يدعيه، بل هو يحتقر الصفات التي يدعيها ولا يريدها في نفسه. اما الأميركي العادي فهو الذي لا يريد ان يخون زوجته، إنما يحصل ان يتعرض لإغراءات لا يمكنه مقاومتها، ولا يريد ان يتناول لحماً أحمر لكن رائحة الشواء المنبعثة من مطبخ الجيران تضعف مقاومته. وهو ينوي الذهاب إلى النادي ليمرن عضلاته ويبقي جسمه ليناً، لكنه يرغب ان يشاهد المباراة الفاصلة التي يخوضها «ذوو الجوارب الحمر» في هذه الساعة. وتالياً فإن ما يفرق مراهق سالينجر عن الأميركي العادي هو بالضبط رغبة الأميركي في البقاء تحت سقف النظام رغم ان هذا السقف منخفض كثيراً إلى درجة تعيق التنفس. فليكذب المرء إذاً، أكان راغباً في البقاء تحت سقف النظام أم كان راغباً في الخروج منه. الكذب هو وسيلتنا الوحيدة للبقاء تحت سقف النظام، وهو طريق خلاصنا الوحيد
.

Partager cet article

Repost 0

commentaires

Sites partenaires

Rechercher

Whos Amung Us

مقالات مختارة للكاتب من موقع الحوار المتمدن

مدونة #مالك_بارودي

Texte Libre

Translate this with Google