Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
8 juin 2014 7 08 /06 /juin /2014 17:42

تهافت الشيوخ في إسلام الشروخ

بقلم: مالك بارودي

 youssef-al-qaradaoui

من لا يعرف يوسف القرضاوي...؟ لا أظنّ أنّ أحدا يجهل من يكون صاحب هذا الإسم الرّنّان. فهو أشهر من نار على علم، كما يقولون، حتّى أنّ فرنسا وبريطانيا منعتاه من دخول ترابهما، وتاريخه حافل مليء بالخزعبلات والدّجل والنّفاق والتّلوّن مثل الحرباء أو أكثر، حتّى أصبحنا نكاد نطلق إسم القرضاوي على كلّ دعيّ كاذب. والرّجل زيادة على ذلك كلّه دكتور، أي أنّه في نفس مرتبة طه حسين، مثلا... لكن شتّان بين الثّرى والثّريّا، كما يقال، هذا إذا رضي الثّرى أصلا بأن يُستعمل في علاقة تشبيه مع حشرة كهذه !

يوم الأحد 13 ماي 2012 وعلى السّاعة السّابعة مساء، بثّت القناة التّونسيّة "الوطنيّة 1" حصّة من برنامج "شاهد وشواهد" خصّصته للقاء أجرته مع "شيخ الشّيوخ" و"الدّاعية العالمي" يوسف القرضاوي، مستغلّة تواجده بتونس بدعوة من حزب النّهضة الإسلاموي ذي الجذور الإخوانيّة والميولات السّلفيّة الوهّابيّة والتّاريخ الإرهابي.

لم أستطع مشاهدة ذلك البرنامج بأكمله بسبب كثرة إلتزاماتي، إذ لم أر منه سوى الرّبع ساعة الأخير، ولكنّني في الحقيقة لست نادما، ذلك أنّني لا أرى في مشاهدة برنامج كهذا أيّ ربح، فبعض البرامج (مثل بعض الناس) لا تنفع بشيء، وخير من مشاهدتها الخلود إلى النّوم (رغم أنّ النّوم أيضا لا ينفع!).

القرضاوي، هذه الشّخصيّة المتناقضة ذات الوجوه المتعدّدة، هذا المهرّج الذي يلعب على كلّ الحبال وفي معظم الأحيان في وقت واحد.

هو، كما يقول مريدوه الذين يظمّون محرّر المقال المخصّص له على موسوعة ويكيبيديا، "أحد أبرز علماء السّنّة في العصر الحديث" (مثلما قال وزير خارجيّة تونس النهضوي رفيق عبد السلام – بوشلاكة سابقا – ذات مرّة عن الحكومة النهضويّة الرّعناء التي تسيّر البلاد الآن بأنّها "أحسن حكومة مرّت على البلاد التّونسيّة"... أنا أحتاط دائما من هذه النّعوت التي تطلق في المطلق...)، ورئيس الإتّحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أنشأه القطريّون خصّيصا له (وهم يريدون بذلك إيهامنا بأنّ المسلمين لديهم علماء فعلا... وأيّ علماء! ولا أدري ما نفع مؤسسة كهذه تصرف على مهرّجيها مليارات المليارات من أموال البترول في عالم عربي إسلامي متخلّف...)، ومؤلّف أكثر من مائة وعشرين كتابا (وإنّما العبرة الحقيقيّة في الكيف وليس في الكمّ، كما يظنّ معظم النّاس، وإلّا لما تغيّر مسار تاريخ الشّعر الفرنسي بوجود "أرتور رامبو" أو "لوتريامون"...). هو مصري أزهري التّعليم، عمل إماما في مسجد بطنطا ومأذونا للقرية، ثم أصبح إخوانيّا وانظمّ إلى الجناح السّرّي لتنظيم الإخوان المسلمين الذي كان يخطّط آنذاك لقلب نظام الحكم (حبْك المؤامرات وحبّ السّلطة متأصّلان في الطّبيعة الإخوانيّة)... اعتقل مع سيّد قطب وجماعته وعرف السّجن الحربي... ثمّ، بطريقة مشبوهة، أفلت من الموت في حين وقع إعدام سيّد قطب (لسائل أن يسأل: هل وافق القرضاوي على مقايضة ما في سبيل إطلاق سراحه، أم كان في الحقيقة طرفا فاعلا في مؤامرة للإطاحة بسيّد قطب؟)، وخرج القرضاوي من السّجن معزّزا مكرّما والتحق بدولة قطر مبعوثا من طرف الحكومة المصريّة وبمباركة مخابرات صلاح نصر، ليشغل منصب مدير المعهد الدّيني الثّانوي في الدّوحة. وظلّ في قطر يمارس مهنته بشكل عادي، إلى أن ظهرت قناة "الجزيرة" التي صنعت منه نجما من نجوم العالم العربي (مثلما صنعت فضائيّات أخرى نجوميّة مهرّجين آخرين من أمثال زغلول النّجّار وعمرو خالد ومحمّد حسّان وغيرهم من تجّار الدّين المتلوّنين حسب المصالح) وبدأت مسرحيّة الضّحك على الذّقون تكبر وتتضخّم وتتّخذ طابعا عالميّا. واكتسح الرّجل العالم بفتاواه وتفسيراته وبرامجه، عازفا على أكثر من آلة ولاعبا في أكثر من ملعب وراقصا على كلّ الحبال. وتفتّقت مواهب الشّيخ فاستنبط ما لم يستنبطه غيره، خاصّة في ذلك البرنامج الذي خصّص له بعنوان "الشّريعة والحياة"، حيث لم يترك مجالا إلا وخاض فيه خوض عالم عارف، في حين أنّ معظم كلامه أشبه بـ"خبط عشواء".

وأتى القرضاوي إلى تونس، بعد أن فعلت الثّورة فعلها ورفعت أصحاب الفكر الإخواني إلى سدّة الحكم. وأي بلد غير تونس يستطيع أن يفتح ذراعيه للقرضاوي وآذانه لخزعبلاته وترّهاته وخزائنه لينعم بمال شعبه؟ فقد أصبحت تونس بعد الثّورة مزارا لكلّ من هبّ ودبّ من زواحف المسلمين ولكلّ من لا يستطيع السّفر لنشر سمومه في بقية البلدان، بشرط أن يتحدّث عن الإسلام وعن الشّريعة ويطلق العنان لخياله الفاسد، فيشغل الشّعب التّونسي بحكايات فارغة تغطّي عيوب الواقع وتصرف الأنظار في نفس الوقت عن مراقبة ونقد وانتقاد حكومة الضّعفاء والمنافقين التي فازت بإنتخابات 2011... فقد زارها قبله الشّيخ السّلفي التّونسي بشير بن حسن ومفتي الفُروج وختان البنات "الدكتور" وجدي غنيم ومدّعي الإعتدال طارق رمضان والمسترزق من مال الحمقى محمّد حسّان والمؤوّل العلمي للقرآن صاحب النّظريّات الخارقة زغلول النّجار وغيرهم، بدعوة من حزب النّهضة أو من جمعيّات تدّعي الرّغبة في الرّجوع إلى زمن ذهبي الجاهليّة أجمل وأحسن منه وتسوّق لإسلام إنتهت صلوحيّته...

ألم يشكر القرضاوي الرّئيس التّونسي السّابق زين العابدين بن علي عندما حضر إلى تونس بمناسبة الاحتفال بمدينة القيروان كعاصمة للثّقافة العربيّة؟ ثم يأتي إلى تونس هذه الأيّام فتفرش له البسط وتهتف بإسمه الحناجر (مثلما كانت تهتف بإسم بن علي!) ويمدّ وجهه بين النّاس مدّعيا أنّه مع الثّورة والشّعب وأنّ "نظام بن علي كان يعتبره العدوّ اللّدود بسبب مواقفه المناهضة له والدّاعمة لرموز الحركة الإسلاميّة المعتدلة"... ويفتح الشّيخ راشد الغنّوشي (الذي لا يقلّ عنه صفاقة وتلوّنا) فمه النّتن ليصرّح بأنّ الثّورات العربيّة "خرجت من إبط القرضاوي"، هكذا، بكلّ بساطة... وفي الحقيقة، قد نكون محظوظين لأنّ قريحة الغنّوشي أوحت له بإبط القرضاوي وجنّبتنا مخارج جسده الأخرى التي قد لا تكون على نفس المستوى من الطّهارة وذكاء الرائحة! إبط تشرق منه الثّورات، ثمّ ماذا؟ (في الحقيقة، لطالما استغربت إنحطاط الذّوق وغياب الحسّ الجمالي عند الإسلامويّين بمختلف أطيافهم ومللهم واتّجاهاتهم وألوانهم. فمن اللّحي الشّعثاء المتّسخة التي يعتبرونها علامة ورع وتقوى إلى الإحتفال بالسّواد الدّاكن في النّقاب الأفغاني الذي عمّ البلاد وغطّاها والذي يدلّ في نظرهم النّاقص على العفّة، إلى العداوة التي يضمرها بعضهم ويعلنها البعض الآخر بكثير من الفخر ضدّ الفنّ والفنّانين، إلى إبط القرضاوي صاحب الكرامات وصانع الثّورات – أخيرا وليس آخرا –، تتّضح مقاييس الجمال لديهم... مقاييس مختلّة متناقضة منحطّة لا تنمّ إلّا عن لاوعي مَرَضِي ووعي مشلول مقعد... فأين هذا من ترديدهم للحديث: "إنّ الله جميل يحبّ الجمال"... فإذا كان الجمال بهذه المواصفات، فبئس الجمال هو...!)

لكن لنعد إلى موضوعنا... في ذلك البرنامج المذكور في بداية المقال، سألت المحاورِة ضيفها الشّيخ القرضاوي عن قطر (راعية تفاهاته) وعن موقفه من سياستها وعلاقاتها بإسرائيل فإذا به يمهمه ويتلعثم حتّى خيّل لي أنّه سيسقط على وجهه مغشيّا عليه... كان "سؤالا في العظم"، كما يقال. تهرّب الشّيخ يمنة ويسرة كفأر أمسكت مصيدة بذنبه، وتجنّب الإجابة ما استطاع، مثلما يفعل شيوخ الإسلام حين يجدون أنفسهم في مأزق لم يحسبوا له حسابا... كان تهرّبه من الإجابة متوقّعا، ولو أجاب بوضوح لفاجأنا ولتسبّب في كثير من الأضرار الفادحة لدولة قطر القويّة بفتاوى أمثاله من "العلماء" وإعلام "الجزيرة" المتغيّر حسب تغيّر المصالح السّياسيّة وآبار البترودولار ومؤخّرة الشّيخة موزة التي قد تصبح في يوم من الأيّام ضمن قائمة عجائب الدّنيا السّبع بعد أن صرفت صاحبتها المليارات لتجميلها. فأين مصداقيّتك، يا سيّد المنافقين؟ وأين كلامك الجارف عن الثّورات العربيّة من سكوتك على فساد سياسة قطر؟ بل أين تكفيرك لمعمّر القذّافي وحسني مبارك بالأمس القريب وتحريضك للجماهير على عصيانهما والإطاحة بنظاميهما وفرحتك بإزاحتهما وأين تشجيعك للشّعب السّوري اليوم وقولك بأنّ ثورته ستنجح "إن شاء الله"، أين كلّ ذلك من سكوتك الذي لن ينتهي على الثّورة التي تختمر في البحرين وعلى ضحايا دوّار اللؤلؤة وعلى قمع السّلطات للمتظاهرين؟ أم أنّ إبطك الكريم الطّاهر لا ينجب إلّا ثورات سنّية؟ ألا تتواضع فتدلّنا على صاحب الإبط الذي يصنع ثورات شيعيّة...؟

لكن لا عجب في ذلك، فكلّ الشّيوخ منافقون، وما ورعهم وتقواهم إلا مجرّد غشاء بسيط مذهّب وضعوه ليغطّوا أكوام الوحل والطّين والعفن التي بداخلهم، وما معارفهم إلّا مجرّد ثرثرة تستعيد ما حفظوه وتلوّنه حسب درجة قابليّة جماهيرهم: أقصد درجة حماقتهم... ألم يفتح ذلك الشّيخ السّلفي الوهّابي التّونسي بشير بن حسن فمه النّتن منذ مدّة قائلا بأنّ معارضة حزب النّهضة الذي يمسك بالسّلطة في تونس حرام وأن ضرب رجال الأمن للمتظاهرين واجب شرعي...؟ وبعد ماذا؟ بعد أن حرّر الشّعب بثورته هؤلاء المنافقين ثم إنتخبهم فأصبحوا حكّام البلاد يرتعون فيها كما يريدون ويصرفون من أمواله ما يريدون، بعد أن كانوا جرذانا في سجون بن علي؟ أليس هذا الكلام عين النّفاق وأصدق دليل على جري الإسلامويّين خلف مصالحهم فقط، حيث أنّ مصلحة الشّعب والوطن لا تمثّل بالنّسبة لهم سوى مجرّد شعارات إنتخابيّة جوفاء تنتهي صلاحيّتها بفتح الصّناديق وفوزهم على خصومهم؟ ألا يتماشى هذا الكلام مع ما أفتى ويفتي به آخرون عن تحريم الخروج على الحاكم ورفع السّلاح في وجهه معلّلين ذلك بأنّ الحاكم إختاره الله لقومه وبالتّالي فلا مجال لمعارضة مشيئته...؟ ألا يجعلنا هذا الكلام نتنبّأ برجوع الدّيكتاتوريّة من حيث وقع طردها لكن على هيئة سلف صالح ملتح ملتفّ في عباءة تقوى...؟

 

لكن مهما حاول أولئك المنافقون تناسي الماضي فالحاضر بتراكم أرشيفه لا ينسى. وإذا كانت عقول علماء المسلمين عقول ببّغاوات تحفظ القرآن والسّنّة والتّفاسير وتكرّرها كما هي، فالشّبكة العنكبوتيّة لها ذاكرة أقوى ممّا يتصوّرون...

Partager cet article

Repost 0

commentaires

Sites partenaires

Rechercher

Whos Amung Us

مقالات مختارة للكاتب من موقع الحوار المتمدن

مدونة #مالك_بارودي

Texte Libre

Translate this with Google