Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
24 août 2013 6 24 /08 /août /2013 17:50

الدين في التحليل النفسي

  boulevard-voltaire-sigmund-freud.jpg

لقد امتدت يد التحليل النفسي منذ بداياته، ليس إلى الشخصية الإنسانية فحسب، وإنما إلى أي ظاهرة اخرى، لقد فسّر "سيغموند فرويد" الجموع و الجماهير، والصفات التي تتخذها إنطلاقا من مبادئ التحليل النفسي وهذا في كتابه "علم نفس الجماهير"، كما فسر الحضارة في كتابه "قلق في الحضارة"، غير أن أهم ما قام به "فرويد" هو تفسيره لظاهرة الدين، من خلال كتابيه "موسى والتوحيد"، و"مستقبل وهم" .

وقد إستخلص "فرويد"، انطلاقا من نفس المبادئ، أن الدّين ليس إلاّ مرضا عصابيا لم يصب الفرد فقط، وإنما أصاب الإنسانية جمعاء.

لقد نشأ الدّين منذ البداية، كدفاع ضد قوى الطبيعة الشريرة، وهو ناشئ عن تحويل لاواع للمخاوف الإنسانية من الطبيعة وقواها إلى الطبيعة ذاتها، بحيث أمكن للإنسان أن يتعامل معها، مثلما يتعالم مع الآخر الإنساني والمالوف. فالأفكار الدّينية "تنبع من نفس الحاجة التي تنبع منها سائر فتوحات الحضارة ومنجزاتها: ضرورة الدفاع عن النفس ضد تفوق الطبيعة". (1)

وهكذا يكون للدين والآلهة ثلاث وظائف وهي: "تغريم  قوى الطبيعة، مصالحتنا مع قسوة الأقدار، كما يتجلى في الموت خاصة، وأخيرا تعويضنا عن الآلام والأوجاع والحرمانات التي تعرضها حياة المتدينين المشتركة على الإنسان". (2)

ويرجع "فرويد" الأفكار الدينية إلى الأوهام: "إن المذاهب الدينية جميعها أوهام لا سبيل إلى إقامة برهان عليها، ولا يمكن أن يزعم أي إنسان على أن يعدها صحيحة وعلى أن يؤمن بها". (3) والسبب في ذلك يعود إلى أن الدين هو عصاب مرضي، أو عصاب قهري، يحمل كل خصائص الأعصبة المرضية، وهو يتكون نتيجة علاقات الطفل بالأب، عبر ما يسميه فرويد بعقدة أوديب، فالدين هو "عصاب البشرية الوسواسي العام" ويشرح فرويد ذلك بصورة واضحة في كتابيه "موسى و التوحيد" و"الطوطم والمحرم" ويتلخص ذلك في حدوث صدمة إنسانية عامة (trauma)، مماثلة للصدمة التي تحدث في الطفولة، عن طريق الإنطباعات التي تؤدي إلى تهديد الأنا، وهي انطباعات غالبا ما تكون جنسية، وتعود هذه الإنطباعات مجددا بعد مرحلة الكمون، التي يجد لها فرويد  مماثلة شبيهة بالكمون الذي تمر به الأديان من طور المقاومة والرفض إلى طور القبول. ويعود العصاب مرة أخرى في حال الرشد، حيث يضعف الأنا بصورة كبيرة، ما يؤدي به إلى المرض، ونفس الشيء يحدث للفكرة الدينية حين تعود للانتصار.

ويكمل فرويد القصة، في كتابه "الطوطم والمحرم"، وتتلخص الفكرة، في أن البشرية كانت تعيش في شكل عشيرة واحدة يحكمها أب قوي، يستأثر بجميع النساء والبنات والسبايا، دون أبنائه الراشدين، فيجتمع الأبناء ضد الأب ويقتلونه، ثم يحدث وأن يشعر الأبناء بالذنب، فيقررون شريعة تمنع تكرر الحدث بينهم، وأول تلك الشرائع تحريم زواج المحارم والقتل، ثم يجد الأبناء حنينا في نفوسهم نحو الأب، فيقيمون له نصبا حيوانيا، يعبدونه ويبجلونه، كما يحتفلون أيضا بصيد ذلك الحيوان وأكله، كتحقيق لرغبة قتل الأب بصورة رمزية. ثم يجد البشر بعد ذلك أن الحيوان غير قمين بتمثيل كل خصائص الأب، فيتخذون نصبا أخرى، نجد لها أمثلة في التاريخ، من الآلهة الإناث إلى الذكور، إلى الإله الأوحد، فالطوطم هو نفسه عقدة أوديب التي يقيم عليها فرويد معظم تفسيراته.

غير أن تفسير فرويد للدين لا يكتفي بالأديان الوثنية فقط، إذ قام بتفسير الأديان التوحيدية، بإعتبار أنّها مجرد تطور للأديان الوثنية، وذلك في كتابه "موسى والتوحيد"، فأقرّ بأن موسى أخذ على عاتقه إعادة الدين القديم، بعد هدم الآلهة السابقين. أما كيف نشأ الدين ذو الإله الواحد، فإن فرويد يرجع ذلك إلى تطور الحضارة المصرية، وهيمنتها على المناطق الآسيوية والإختلاط بأهلها، بحيث أصبحت بحاجة إلى تطوير مفهومها عن الإله، ليكون إلها للجميع. وهكذا، ألغى أخناتون الآلهة جميعا، وعبد إلها وتحدا هو إله الشمس، الذي تحول فيما بعد إلى مجرد فكرة، هي الإله الأوحد. "والحق أن التوحيد في مصر لم يكن، وهذا بقدر ما نملك أن نفهمه، سوى انعكاس ثانوي لنزعة الدولة إلى التوسع، فالله لم يكن سوى انعكاسا للفرعون الذي يمارس سلطانا مطلقا". (4)

ويرثي فرويد الإنسانية جمعاء، حين يرى جموع البشر تخضع للدين. "في كتابي "مستقبل وهم" لم يكن موضوع البحث بالنسبة إلي الينابيع العميقة للشعور الديني بقدر ما كان، في المقام الأول، ما يتصوره الإنسان العادي حين يتكلم عن دينه وعن تلك المنظومة من المذاهب والوعود التي تزعم، من جهة أولى، أنها تسلط الضوء على جميع ألغاز هذا العالم بكمال تحسد عليه، والتي تدعي من الجهة الثانية أنها تطمئنه إلى أن ثمة عناية ربانية ملؤها العطف والإشفاق تسهر على حياته وستعمل في وجود آخر مقبل على تعويضه عما كابده من حرمان في هذه الدنيا… وبديهي أن ذلك كله صبياني للغاية، وبعيد للغاية عن الواقع، بحيث يحزّ في نفس كل صديق مخلص للبشرية أن يفكر بأن الغالبية العظمى من بني الإنسان لن تستطيع أبدا الارتفاع فوق هذا التصور للوجود". (5)

غير أن نظرة التحليل النفسي للدين، أزدادت تشاؤما، مع "إريك فروم"، الذي أعطى ديناميّة للدين تختلف عن تلك التي أعطاه إياها فرويد، معتمدا على ميكانيزم دفاعي نفسي: "نرى أن الإله قد أصبح في الدين التسلطي المالك الوحيد لما كان يملكه الإنسان، أصلا، أعني العقل والحب، وكلما كان الإله أكمل، كان الإنسان أنقص، إنه  "يسقط" أفضل ما عنده على الإله، ومن ثم يفقّر نفسه، وهكذا يملك الإله الآن كل الحب، وكل الحكمة، وكل العدل، والإنسان محروم من هذه الصفات، إنه فقير خاوي الوفاض، فقد بدأ يشعر بالضآلة، ولكنه الآن أصبح عاجزا تماما لا حول له ولا قوة، وأسقط قواه كلها على الإله، وطريقة (ميكانيزم) الإسقاط هذه هي نفسها ما يمكن ملاحظته في العلاقات الشخصية… وإذا كان الإنسان قد أسقط على هذا النحو أثمن قدراته على الإله، فماذا عن علاقته بقواه الخاصة؟ لقد أصبحت هذه القوى منفصلة عنه، وأصبح في هذه العملية مغتربا عن نفسه… وفي عبادته للإله، يحاول أن يتصل بذلك الشطر من نفسه الذي فقده، عن طريق الإسقاط، وهو يتوسل الآن إلى الإله، بعد أن أعطاه كل ما يملك لكي يعيد إليه بعض ما كان يملكه أصلا". (6)

أما عن منشأ هذه الدينامية في عمل الدين، فهو راجع إلى الوضع الإقتصادي والإجتماعي والسياسي. "ففي المجتمعات التي تحكمها أقلية قوية تسيطر على الجماهير، يمتلئ الفرد بالخوف، حتى يصبح عاجزا عن الشعور بالقوة والإستقلال، وتكون تجربته الدينية في هذه الحالة تسلطية... ومن ناحية أخرى، حيثما شعر الفرد بالحرية والمسؤولية عن مصيره، أو بين الأقليات المتطلعة إلى الحرية والإستقلال، نشأت التجربة الدينية الإنسانية وتطورت". (7)

-----------------------

المراجع:

1) سيغموند فرويد: "مستقبل وهم"، ترجمة جورج طرابيشي، ص 29.

2) المرجع السابق، ص 25.

3) المرجع السابق، ص 43.

4) سيغموند فرويد، "موسى والتوحيد"، ص 92.

5) سيغموند فرويد، "قلق في الحضارة"، ص 19.

6) إريك فروم، "الدين والتحليل النفسي"، ص 48-49.

7) إريك فروم، المرجع السابق، ص 50.

 

 

 

 

 

Partager cet article

Repost 0

commentaires

Sites partenaires

Rechercher

Whos Amung Us

مقالات مختارة للكاتب من موقع الحوار المتمدن

مدونة #مالك_بارودي

Texte Libre

Translate this with Google