Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
18 août 2013 7 18 /08 /août /2013 03:52

كيف يكون الدّين أصل كلّ فساد

 

مقال بقلم: مالك بارودي

 

 

 

المسلمون مؤهلون اليوم أكثر من أي وقت مضى لكي يدخلوا موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكثر شعب منافق. أقول هذا تعقيبا على كلام سمعته في خطبة جمعة على أمواج إحدى الإذاعات الجديدة اليوم (الجمعة 04 ماي 2012) على الساعة الواحدة بعد الزوال، وبالتحديد إذاعة "أوكسيجين" التي تبث من مدينة بنزرت، لم أجد فيه إلا تخبطا على إيقاع ديني نهضوي-سلفي-وهابي ساقط .

تحدث الإمام عن قدوم الشيخ يوسف القرضاوي إلى تونس ولام الإعلام (مثلما جرت العادة منذ قيام هذه الثورة الزائفة التي لم ينتفع بها سوى أصحاب اللحي)، وخاصة نشرة الأنباء، على التجاهل الذي قوبل به هذا "الحدث"، وأظهر إستياء كبيرا من ذكر ذلك الخبر في آخر نشرة الأنباء، ورآى في ذلك إحتقارا لذلك "العالم الكبير" حسب تعبيره. صحيح أن الكثيرين يزعمون أن القرضاوي عالم دين، لكن هل في الدين علوم أصلا؟ هل في اجترار كلام حفظه شخص ما عن ظهر قلب أي علم أو نفس علمي؟ ثم من الذي يقرر بين المسلمين من هو العالم؟ وما المقاييس المعتمدة في ذلك؟ هل هي منشوراته أم المخابر أم الشهادات أم الأكاديميات؟ وما معنى أن يكون شخص ما أستاذا في علوم القرآن أو دكتورا في علوم الدين، مثل هذا المتسلق المسمى يوسف القرضاوي، صاحب التناقضات الصارخة والمفتي الشخصي لآل خليفة وعبد البترودولار الخليجي الذي أصبح رمزه بالنسبة للكثيرين مؤخرة الشيخة موزة؟ وهل في الدين شيء غير كلام قديم يلوكونه ليلا نهارا وإستشهادات يرددونها كالببغاوات؟ فإذا كان هذا هو علم الدين فلا شك أن الببغاء أجل قدرا منهم لأنه على الأقل يكتفي بترديد الأصوات ولا يدعي فهم معانيها أو ما وراء معانيها...

عالم الدين في الحقيقة شخص متحيل ودجال وجد طريقة للإسترزاق من حماقة المحيطين به أو حسن نيتهم. وكما يقول شوبنهاور: "الطبيب يرى الإنسان في كامل ضعفه، رجل القانون يراه في كامل شره، وعالم الدين يراه في كامل حماقته." («Le médecin voit l homme dans toute sa faiblesse ; le juriste le voit dans toute sa méchanceté; le théologien dans toute sa bêtise.») هم باعة أوهام لا غير، يحدثونك عن الماورائيات كأنهم يرونها رؤية العين. ولا يكفيهم هذا بل يستنبطون أكاذيب في شكل إجتهادات وفتاوى لا يبغون من خلالها سوى الربح المادي. مثل الداعية المصري محمد الزغبي الذي أفتى ذات يوم بأن أكل لحم الجان حلال، ولا أدري أين وجد هذا اللحم ولا حتى أين قرأ النص الذي بنى عليه تفاهته تلك المسماة فتوى. شيخ آخر أفتى بتحريم أكل لحم الإبل لأن حديثا نبويا "حسنا" يقول: "إن الإبل خلقت من الشياطين وإن وراء كل بعير شيطانا" (الشيخ الألباني، "صحيح الجامع"، حديث رقم 1579). وغير هذه التفاهات كثير، يزخر به موقع اليوتيوب الذي أصبح ملجأ كل مكتئب يريد الترويح عن نفسه، ويكفي البحث فيه عن كلمة "فتوى" حتى تبدأ المسرحية التي يتقمص علماء الدين المسلمين أدوارها في حين يعود دور البطولة للحماقة.

لن أطيل عليكم كثيرا في شرح هذه الأشياء لأنها واضحة وضوح الشمس، لذلك سأعود إلى خطبة الجمعة التي تحدثت عنها في البداية... قال إمامنا المذكور (والذي أجهل إسمه لأنه تعذر علي متابعة الخطبة منذ البداية، ولكنني أعتقد أني سمعته ينعت نفسه بـ"عم منجي")، في نفس السياق، أن "العلماء ورثة الأنبياء"... لا أدري عن أي علماء يتحدث. هل كان يتحدث عن أمثال "إسحاق نيوتن" و"غاليليو غاليلي" و"شارلز داروين"؟ بالطبع لا، إذ أنه لو كان هؤلاء هم المعنيون بكلامه، لما وجدنا أن عددا كبيرا من شيوخ الإسلام ينكرون حقيقة دوران الأرض حول الشمس، رغم أنها أصبحت من الأفكار البديهية في عصرنا هذا؟ ثم ألم يصدر أحد شيوخ السعودية فتوى بكفر القائل بدوران الأرض حول الشمس؟ لكن تفكير هذا الشيخ التكفيري يمكن أن يكون مفهوما، لأنه يرتبط بالفكرة القرآنية التي أتت في سورة الكهف: "ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا" (الآيتان 85-86)، هذه الفكرة التي كانت سببا في إرتداد المئات عن الإسلام، كما يرتبط بتصورات القدامى لشكل الأرض والتي وجدت صداها في آيات كثيرة من القرآن حاول زغلول النجار (دكتور آخر) وغيره ليّ أعناقها بشتى الوسائل وباستعمال كل الحيل والأكاذيب لكي يوهم المسلم المعاصر بأن ما توصل إليه الغرب كان منذ البداية مدونا في القرآن وبالتالي إقناعه بأن كتابه السماوي أعظم من الكتب الأخرى وصالح فعلا لكل زمان ومكان. وهذا كله يندرج ضمن العقدة النرجسية التي يعاني منها المسلم باستمرار، والتي أصبحت مكونا أساسيا من مكونات شخصيته الفصامية. كما أني أستبعد أن يكون إسم "شارلز داروين" مدرجا في قائمة العلماء الذين تحدث عنهم إمامنا النابغة، خاصة أن النظرية الداروينية هي التي قضت فعليا على مصداقية الأساطير الدينية... لكن لا يهم...

تحدث الإمام أيضا عن "الفساد" الذي قال أنه قد تفشى وزاد في تونس. وتمنى (وفي أمنيته اقتراح قد يطالب بتحقيقه غيره من الباحثين عن تعلات لإحداث الفوضى ومحاولة تحطيم كل القوانين الضامنة لحرية الآخرين بإسم الدين أو الأخلاق الإسلامية)، تمنى أن تتكون في تونس مجموعات تقوم بما تقوم به مجموعة الحسبة "لحماية الناس في ديارهم وفي الشارع". لكن لماذا لم يصرح هذا الإمام عن مصادر استلهام أفكاره؟ لماذا لم يذكر أن مجموعة الحسبة موجودة في المملكة العربية السعودية ومصر ونيجيريا وأنه من دعاة استيراد التخلف السلفي الوهابي؟ (للعلم فإن مؤسسة الحسبة أسسها عمر بن الخطاب في القرن التاسع ميلادي وكان من مهام المحتسب في عهد الخليفة المهدي حماية الأخلاق العامة وحماية الناس من المشعوذين والدجالين والمتحيلين، ثم توسعت مهام وميادين نشاط هذه المؤسسة تدريجيا لتشمل ملاحقة الزنادقة والتضييق على الملحدين إلى أن أصبحت في زمننا هذا شرطة للآداب، هكذا في المطلق.)

ألا يكفي أن بعضهم أسس "جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ولو عكسوا لأصابوا) وكأننا في السعودية؟ ألا يكفي ما يسببه السلفيون في تونس من عنف وتهديد لمواطني هذه البلاد التي قال عنها القرضاوي ذات مرة أنها "في حاجة إلى إعادة فتح"؟ ألا يكفي ما يعانيه الإعلام من تضييق؟ (مهزلة قضية "قناة نسمة" وما أفضت إليه في بداية هذا الشهر من إدانة للمدعى عليهم دليل واضح على موالاة وفساد معظم المؤسسات والأجهزة في تونس ومساندتها لسياسة السلفيين التكفيرية، بداية من القضاء ومرورا بوزارة الداخلية ومختلف أجهزة الدولة...) ألا يكفي ما تعانيه البلاد بإسم الدين من طرف إرهابيين لا همّ لديهم سوى التحكم في الناس واستعبادهم؟ ألا تكفي مصادرة حرية المواطنين بإسم الأخلاق والدين ومواصلة إختلاق الأسباب ونسج المؤامرات لقمعهم أكثر؟ (قضية "ملحدي المهدية"، مثلا، هذه القضية التي تعيد إلى أذهان الكثيرين العاصفة الأخيرة التي أثيرت حول الشاب السعودي "حمزة كاشغري" وحكاية إتهامه بالاستهزاء برسول المسلمين، وتعيد في ذهني حكايات أخرى حدثت لـ"الصغير أولاد أحمد" و"نصر حامد أبو زيد" و"فرج فوده" و"نجيب محفوظ" و"نوال السعداوي" و"سلمان رشدي" و"تسليمة نصرين" و"طه حسين" و"البرامكة" و"شهاب الدين السهروردي" و"منصور الحلاج"... وكل هؤلاء في صلب مشروع كتاب في طور الإنجاز أتحدث فيه عن أبعاد النزعة التكفيرية وغاياتها المرتبطة أساسا بالسلطة والنفوذ في التاريخ الإسلامي.) ألا يكفي ما أراقه الإسلام عبر تاريخه من دماء بسبب ماورائيات قيل أنها قالت كذا ولم تقل كذا وأرادت كذا ولم ترد كذا؟ ألا يكفي ما شهده العالم الإسلامي من فساد ديني وسياسي ومالي وأخلاقي مغطى بإدعاءات عفة وتديّن وعدل وشريعة وصدق لا نرى في التاريخ إلا عكسها؟ الحاكم يكثر من الجواري ويزنى فلا يحاسبه أحد ولكنه يحاسب من يزنى من رعاياه البعيدين عنه بالتواطؤ مع رعاياه المقربين. الحاكم يبني القصور ويتزين بالذهب ويأكل ما يطيب له ويسجن من يسرق قليلا من الخبز ليأكله. الحاكم الذي يسمح للشيوخ بإفساد عقول الشعب بفتاوى فاسدة ولا يسمح لشاعر بأن يلطف من قسوة الحياة بقصيدة، لأن الأتباع المخلصين يرون فيها إباحية لا تجوز أو تطاولا على سلطة الحاكم أو تدنيسا لإحدى المقدسات...

يكفيكم كذبا على الناس، فلا أنتم خير أمة أخرجت للناس ولا حتى أحسن ممن تعتبرونهم كفارا أو مرتدين والذين أنتم من خيراتهم وإنتاجات عقولهم تعيشون.

وواصل إمامنا المذكور، الذي يدلي بدلوه في كل شيء مثل أناس كثيرين في تونس اليوم، فتحدث عن كثرة المقاهي والمطاعم ولام الشباب على عدم ارتياد المساجد عوضا عنها. لن أقول شيء بالنسبة لهذه النقطة عدا كلمة "طز" باللهجة المصرية، التي أتصور أنها كافية لإبلاغ ردّي. وأعيدها ردا على قوله أن "طاعة الزوج من طاعة الله"...

أعود إلى البداية لأقول بأعلى صوتي: إن نقل صلاة الجمعة وخطبها على أمواج الإذاعات أو على التلفزيونات اعتداء فاحش على حرية الإنسان، بل هو اعتداء على إنسانية الإنسان وعلى أقدس شيء فيه، أقصد عقله. هذا عن صلاة الجمعة فقط، وأظنكم تستطيعون إستنتاج موقفي من هذا الكم الهائل من القنوات المتاجرة بالدين والتي كانت سببا في ثراء شيوخ مثل محمد حسان والقرضاوي وغيرهم من الضاحكين على ذقون الناس. فكيف نسمح بأن يواصل متحيلون وإرهابيون من هذه الطينة (وهي في الحقيقة نفس طينة يوسف القرضاوي وراشد الغنوشي وقبلهم إبن تيمية والغزالي) مصادرة عقولنا لصالح دين لن ينفعنا بشيء؟ (هل بالدين سيوفر السلفيون لهذا الشعب ما يحتاجه من شغل؟ هل بالدين سيحقق المسلمون التطور؟ هل بالدين سيصنعون صواريخا؟...) وإلى متى سنواصل السكوت ونحن نراهم يسمّمون عقول النشء الجديد أي المستقبل بعد أن قضوا على حاضرنا وحولوه إلى أرض يباب لا تنبت إلا اللحي والسواد...؟

سيقول بعضكم أني أكن عداء كبيرا للإسلام وأهله وأحمل فكرا متطرفا، وقد يقول بعضهم الآخر أني "من أزلام النظام البائد"، لكن الحقيقة غير ذلك... أنا ضد سياسة التبشير التي يكرهها المسلمون عند المسيحيين عندما يحاول هؤلاء نشر المسيحية على أرض الإسلام في حين أنهم يرون من الواجب نشر الدين الإسلامي في أرض المسيحيين ولو بالقوة وينطلقون مولولين عندما يعترض المسيحيون وينددون بعنصرية الغرب وعدم احترامه لحرية المعتقد وعديد الشعارات الأخرى المنافقة. ثم يعتلي أحدهم منبر المسجد المشيد على الأرض الأمريكية مثلا ليدعو إلى الجهاد في سبيل الإسلام والله ضد الشيطان الأمريكي... أليس هذا خير دليل على نفاق هؤلاء الذين تصدعت آذاننا من سماع تفاهاتهم عن سماحة الإسلام ودعوته لتقبل الآخر دون عنف. لكن أين الشعار من الفعل؟ وأنا ضد التحريض الذي أصبح من مكونات الشخصية الإسلامية الأساسية، وضد التكفير الذي أعتبره سادس قواعد الإسلام (منذ بداية هذا الدين والناس يقتلون على خلفية تكفيرية). أنا ضد أي فكرة تكال بمكيالين، ومع الحرية والعقل، وإن كره الكارهون. أظن أن الأمر واضح لا يحتاج لتفسير أطول.

أظن أن هذا المقال قد امتد أكثر مما يلزم لذلك أجد نفسي مجبرا على التوقف عند هذا الحد متمنيا أن أكون قد توصلت إلى تبليغ أفكاري على أحسن وجه... لكن، قبل أن أرسم نقطة النهاية، أود أن أنقل لكم جملة كتبها نصر حامد أبو زيد في كتابه "الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية": "وقد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرّر لا من سلطة النّصوص وحدها، بل من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا، علينا أن نقوم بهذا الآن وفورًا قبل أن يجرفنا الطّوفان." لا يوجد كلام أبلغ ولا أكثر عقلانيّة من هذا الرّأي الصّادر عن أحد ضحايا "سلطة الدّين". وبهذا أختم مقالي وأمرّ كما تمر القافلة رغم نباح الكلاب.

 

 

Partager cet article

Repost 0

commentaires

Sites partenaires

Rechercher

Whos Amung Us

مقالات مختارة للكاتب من موقع الحوار المتمدن

مدونة #مالك_بارودي

Texte Libre

Translate this with Google